دقائق التفسير — ابن تيمية
لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٥٦﴾
الْآيَة
فقد ثَبت أَن هَؤُلَاءِ كَانَ آباؤهم موجودين تهودوا وَمَعْلُوم أَن هَذَا دُخُول بِأَنْفسِهِم فِي الْيَهُودِيَّة قبل الْإِسْلَام وَبعد مبعث الْمَسِيح صلوَات الله عَلَيْهِ وَهَذَا بعد النّسخ والتبديل وَمَعَ هَذَا نهى الله ﷿ عَن إِكْرَاه هَؤُلَاءِ الَّذين تهودوا بعد النّسخ والتبديل على الْإِسْلَام وأقرهم بالجزية وَهَذَا صَرِيح فِي جَوَاز عقد الذِّمَّة لمن دخل بِنَفسِهِ فِي دين أهل الْكتاب بعد النّسخ والتبديل فَعلم أَن هَذَا القَوْل هُوَ الصَّوَاب دون الآخر
وَمَتى ثَبت أَنه يعْقد لَهُ الذِّمَّة ثَبت أَن الْعبْرَة بِنَفسِهِ لَا بنسبه وَأَنه تُبَاح ذَبِيحَته وَطَعَامه بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَإِن الْمَانِع لذَلِك لم يمنعهُ إِلَّا بِنَاء على أَن هَذَا الصِّنْف لَيْسُوا من أهل الْكتاب فَلَا يدْخلُونَ فَإِذا ثَبت بِنَصّ السّنة أَنهم من أهل الْكتاب دخلُوا فِي الْخطاب بِلَا نزاع
الْوَجْه الثَّانِي أَن جمَاعَة من الْيَهُود الَّذين كَانُوا بِالْمَدِينَةِ وحولها كَانُوا عربا ودخلوا فِي دين الْيَهُود وَمَعَ هَذَا فَلم يفصل النَّبِي ﷺ فِي أكل طعامهم وَحل نِسَائِهِم وإقرارهم بِالذِّمةِ بَين من دخل أَبَوَاهُ بعد مبعث عِيسَى ﵇ وَمن دخل قبل ذَلِك وَلَا بَين الْمَشْكُوك فِي نَفسه بل حكم فِي الْجَمِيع حكما وَاحِدًا عَاما فَعلم أَن التَّفْرِيق بَين طَائِفَة وَطَائِفَة وَجعل طَائِفَة لَا تقر بالجزية وَطَائِفَة تقر وَلَا تُؤْكَل ذَبَائِحهم وَطَائِفَة يقرونَ وتؤكل ذَبَائِحهم تَفْرِيق لَيْسَ لَهُ أصل فِي سنة رَسُول الله ﷺ الثَّابِتَة عَنهُ
وَقد علم من النَّقْل الصَّحِيح المستفيض أَن أهل الْمَدِينَة كَانَ فيهم يهود كثير من الْعَرَب وَغَيرهم من بني كنَانَة وحمير وَغَيرهمَا من الْعَرَب وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ لِمعَاذ لما بَعثه إِلَى الْيمن
إِنَّك تَأتي قوما أهل كتاب وَأمره أَن يَأْخُذ من كل حالم دِينَارا وعدله مغافر وَلم يفرق بَين من دخل أَبوهُ قبل النّسخ أَو بعده وَكَذَلِكَ وَفد نَجْرَان وَغَيرهم من النَّصَارَى الَّذين كَانَ فيهم عرب كَثِيرُونَ أقرهم بالجزية وَكَذَلِكَ سَائِر الْيَهُود وَالنَّصَارَى من قبائل الْعَرَب لم يفرق رَسُول الله ﷺ وَلَا أحد من خلفائه وَأَصْحَابه بَين بَعضهم وَبَعض بل قبلوا مِنْهُم الْجِزْيَة وأباحوا ذَبَائِحهم ونساءهم وَكَذَلِكَ نَصَارَى الرّوم وَغَيرهم لم يفرقُوا بَين صنف وصنف وَمن تدبر السِّيرَة النَّبَوِيَّة علم كل هَذَا بِالضَّرُورَةِ وَعلم أَن التَّفْرِيق قَول مُحدث لَا أصل لَهُ فِي الشَّرِيعَة
الْوَجْه الثَّالِث أَن كَون الرجل مُسلما أَو يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا وَنَحْو ذَلِك من أَسمَاء الدّين هُوَ حكم يتَعَلَّق بِنَفسِهِ لَا باعتقاده وإرادته وَقَوله وَعَمله لَا يلْحقهُ هَذَا الِاسْم بِمُجَرَّد اتصاف آبَائِهِ بذلك لَكِن الصَّغِير حكمه فِي أَحْكَام الدُّنْيَا حكم أَبَوَيْهِ لكَونه لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فَإِذا بلغ وَتكلم بِالْإِسْلَامِ أَو بالْكفْر كَانَ حكمه مُعْتَبرا بِنَفسِهِ بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَلَو كَانَ أَبَوَاهُ يهودا أَو نَصَارَى فَأسلم كَانَ من الْمُسلمين بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَلَو كَانُوا مُسلمين فَكفر كَانَ كَافِرًا بِاتِّفَاق الْمُسلمين فقد كفر بردة لم يقر عَلَيْهِ لكَونه مُرْتَدا لأجل آبَائِهِ وكل حكم علق بأسماء الدّين من إِسْلَام وإيمان وَكفر ونفاق وردة وتهود وَتَنصر إِنَّمَا يثبت لمن اتّصف بِالصِّفَاتِ الْمُوجبَة لذَلِك وَكَون الرجل من الْمُشْركين أَو أهل الْكتاب هُوَ من هَذَا الْبَاب فَمن كَانَ بِنَفسِهِ مُشْركًا فَحكمه حكم أهل الشّرك وَإِن كَانَ أَبَوَاهُ غير مُشْرِكين وَمن كَانَ أَبَوَاهُ مُشْرِكين وَهُوَ مُسلم فَحكمه حكم الْمُسلمين لَا حكم الْمُشْركين فَكَذَلِك إِذا كَانَ يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا وآباؤه مُشْرِكين فَحكمه حكم الْيَهُود وَالنَّصَارَى أما إِذا تعلق عَلَيْهِ حكم الْمُشْركين مَعَ كَونه من الْيَهُود وَالنَّصَارَى لأجل كَونه آبَائِهِ قبل النّسخ والتبديل كَانُوا مُشْرِكين فَهَذَا خلاف الْأُصُول
الْوَجْه الرَّابِع أَن يُقَال قَوْله تَعَالَى