×
النحلالآية ٩

دقائق التفسير — ابن تيمية

وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٩﴾

النَّحْل ١٦ ٦ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن علينا للهدى وَإِن لنا للآخرة وَالْأولَى﴾ اللَّيْل ٩٢ ١٢ ١٣ فَلفظ هَذِه الْآيَات فِيهِ أَن السَّبِيل الْهَادِي هُوَ على الله وَقد ذكر أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي الْآيَة الأولى ثَلَاثَة أَقْوَال بِخِلَاف الْآيَتَيْنِ الآخريين فَإِنَّهُ لم يذكر فيهمَا إِلَّا قَوْله وَاحِدًا فَقَالَ فِي تِلْكَ الْآيَة اخْتلفُوا فِي معنى هَذَا الْكَلَام على ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا انه يَعْنِي بقوله هَذَا الاخلاص فَالْمَعْنى أَن الاخلاص طَرِيق إِلَيّ مُسْتَقِيم وعَلى بِمَعْنى إِلَى وَالثَّانِي هَذَا طَرِيق عَليّ جَوَازه لِأَنِّي بالمرصاد فأجازيهم بأعمالهم وَهُوَ خَارج مخرج الْوَعيد كَمَا تَقول للرجل تخاصمه طريقك عَليّ فَهُوَ كَقَوْلِه يَقُول على الله الْبَيَان أَن يبين الْهدى والضلالة وَذكر ابْن أبي حَاتِم فِي هَذِه الْآيَة قَوْلَيْنِ وَلم يذكر فِي آيَة الْحجر إِلَّا قَول مُجَاهِد فَقَط وَابْن الْجَوْزِيّ لم يذكر فِي آيَة النَّحْل إِلَّا هَذَا القَوْل الثَّانِي وَذكره عَن الزجاح فَقَالَ الْقَصْد استقامة الطَّرِيق يُقَال طَرِيق قصد وقاصد إِذا قصد بك إِلَى مَا تُرِيدُ قَالَ الزّجاج الْمَعْنى وعَلى الله تَبْيِين الطَّرِيق الْمُسْتَقيم وَالدُّعَاء إِلَيْهِ بالحجج والبراهين وَكَذَلِكَ الثَّعْلَبِيّ وَالْبَغوِيّ وَنَحْوهمَا لم يذكرُوا إِلَّا هَذَا القَوْل لَكِن ذَكرُوهُ باللفظين قَالَ الْبَغَوِيّ يَعْنِي بَيَان طَرِيق الْهدى من الضَّلَالَة وَقيل بَيَان الْحق بِالْآيَاتِ والبراهين قَالَ وَالْقَصْد الصِّرَاط الْمُسْتَقيم و﴿وَمِنْهَا جَائِر﴾ يَعْنِي وَمن السَّبِيل مَا هُوَ جَائِر عَن الاسْتقَامَة معوج فالقصد من السَّبِيل دين الاسلام والجائر مِنْهَا الْيَهُودِيَّة والنصرانية وَسَائِر ملل الْكفْر قَالَ جَابر بن عبد الله قصد السَّبِيل بَيَان الشَّرَائِع والفرائض وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك وَسَهل بن عبد الله قصد السَّبِيل السّنة (وَمِنْهَا جَائِر) الْأَهْوَاء والبدع وَدَلِيله قَوْله تَعَالَى قَالَ ابْن عَبَّاس أَي بَيَان الْهدى من الضلال وَقيل السَّبِيل الاسلام وَمِنْهَا جَائِر أَي وَمن السبل جَائِر أَي عَادل عَن الْحق وَقيل الْمَعْنى وعنها جَائِر أَي عَن السَّبِيل ف من بِمَعْنى عَن وَقيل معنى قصد السَّبِيل سيركم ووجوعكم والسبيل وَاحِدَة بِمَعْنى الْجمع (قلت) هَذَا قَول بعض الْمُتَأَخِّرين جعل الْقَصْد بِمَعْنى الارادة أَي عَلَيْهِ قصدكم للسبيل فِي ذهابكم ورجوعكم وَهُوَ كَلَام من لم يفهم الْآيَة فَإِن السَّبِيل الْقَصْد هِيَ السَّبِيل العادلة أَي عَلَيْهِ السَّبِيل الْقَصْد والسبيل اسْم جنس وَلِهَذَا قَالَ وَمِنْهَا جَائِر أَي عَلَيْهِ الْقَصْد من السَّبِيل وَمن السَّبِيل جَائِر فاضافة إِلَى اسْم الْجِنْس إِضَافَة النَّوْع إِلَى الْجِنْس أَي الْقَصْد من السَّبِيل كَمَا تَقول ثوب خَز وَلِهَذَا قَالَ وَمِنْهَا جَائِر وَأما من ظن أَن التَّقْدِير قصدكم السَّبِيل فَهَذَا لَا يُطَابق لفظ الْآيَة ونظمها من وجود مُتعَدِّدَة وَابْن عَطِيَّة لم يذكر فِي آيَة الْحجر إِلَّا قَول الْكسَائي وَهُوَ أَضْعَف الْأَقْوَال وَذكر الْمَعْنى الصَّحِيح تَفْسِير للْقِرَاءَة الْأُخْرَى فَذكر أَن جمَاعَة من السّلف قرأوا على مُسْتَقِيم من الْعُلُوّ والرفعة قَالَ والاشارة بِهَذَا على هَذِه الْقِرَاءَة إِلَى الاخلاص لما اسْتثْنى ابليس من أخْلص قَالَ الله لَهُ هَذَا الاخلاص طَرِيق رفيع مُسْتَقِيم لَا تنَال أَنْت باغوائك أَهله قَالَ وَقَرَأَ جُمْهُور النَّاس على مُسْتَقِيم والاشارة بِهَذَا على هَذِه الْقِرَاءَة إِلَى انقسام النَّاس إِلَى غاو ومخلص لما قسم ابليس هذَيْن الْقسمَيْنِ قَالَ الله هَذَا طَرِيق عَليّ أَي هَذَا أَمر إِلَى مصيره وَالْعرب تَقول طريقك فِي هَذَا الْأَمر على فلَان أَي اليه يصير النّظر فِي أَمرك وَهَذَا نَحْو قَوْله وَهَذِه أَيْضا من أجل نعم الله تَعَالَى أَي على الله تَقْوِيم طَرِيق الْهدى وتبيينه وَذَلِكَ نصب الْأَدِلَّة وَبعث الرُّسُل وَإِلَى هَذَا ذهب المتأولون قَالَ وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى أَن من سلك السَّبِيل القاصد فعلى الله طَرِيقه وَإِلَى ذَلِك مصيره فَيكون هَذَا مثل قَوْله ثمَّ كل أحد يتكسب مَا قدر لَهُ وَلَيْسَت هَذِه الْهِدَايَة بالارشاد إِلَى الْإِيمَان وَلَو كَانَ كَذَلِك لم يُوجد كَافِر (قلت) وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذكره ابْن الْجَوْزِيّ وَذكره عَن الزّجاج قَالَ الزّجاج ان علينا أَن نبين طَرِيق الْهدى من طَرِيق الضلال وَهَذَا التَّفْسِير ثَابت عَن قَتَادَة رَوَاهُ عبد بن حميد قَالَ حَدثنَا يُونُس عَن شَيبَان عَن قَتَادَة ﴿إِن علينا للهدى﴾ علينا بَيَان حَلَاله وَحَرَامه وطاعته ومعصيته وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِير سعيد عَن قَتَادَة فِي قَوْله ﴿إِن علينا للهدى﴾ يَقُول على الله الْبَيَان بَيَان حَلَاله وَحَرَامه وطاعته ومعصيته لَكِن قَتَادَة ذكر أَنه الْبَيَان الَّذِي أرسل الله بِهِ رسله وَأنزل بِهِ كتبه فَتبين بِهِ حَلَاله وَحَرَامه وطاعته ومعصيته وَأما الثَّعْلَبِيّ والواحدي وَالْبَغوِيّ وَغَيرهم فَذكرُوا الْقَوْلَيْنِ وَزَادُوا أقوالا آخر فَقَالُوا وَاللَّفْظ لِلْبَغوِيِّ ﴿إِن علينا للهدى﴾ يَعْنِي الْبَيَان قَالَ الزّجاج علينا أَن نبين طَرِيق الْهدى من طَرِيق الضَّلَالَة وَهُوَ قَول قَتَادَة قَالَ على الله بَيَان حَلَاله وَحَرَامه وَقَالَ الْقُرَّاء يَعْنِي من سلك الْهدى فعلى الله سَبيله كَقَوْلِه تَعَالَى يَقُول من أَرَادَ الله فَهُوَ على السَّبِيل القاصد قَالَ وَقيل مَعْنَاهُ إِن علينا للهدى والاضلال كَقَوْلِه بِيَدِك الْخَيْر (قلت) هَذَا القَوْل هُوَ من الْأَقْوَال المحدثة الَّتِي لم تعرف عَن السّلف وَكَذَلِكَ مَا اشبهه فَإِنَّهُم قَالُوا مَعْنَاهُ بِيَدِك الْخَيْر وَالشَّر وَالنَّبِيّ ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح يَقُول وَالْخَيْر بيديك وَالشَّر لَيْسَ اليك وَالله تَعَالَى خَالق كل شَيْء لَا يكون فِي ملكه إِلَّا مَا يَشَاء وَالْقدر حق لَكِن فهم الْقُرْآن وَوضع كل شَيْء مَوْضِعه وَبَيَان حِكْمَة الرب وعدله مَعَ الايمان بِالْقدرِ هُوَ طَرِيق الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان (ذكر الْمَهْدَوِيّ ثَلَاثَة أَقْوَال) وَقد ذكر الْمَهْدَوِيّ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة فَقَالَ إِن علينا للهدى والضلال فَحذف قَتَادَة الْمَعْنى إِن علينا بَيَان الْحَلَال وَالْحرَام وَقيل الْمَعْنى إِن علينا أَن نهدي من سلك سَبِيل الْهدى (قلت) هَذَا هُوَ قَول الْقُرَّاء لَكِن عبارَة الْقُرَّاء أبين فِي معرفَة هَذَا القَوْل فقد تبين أَن جُمْهُور الْمُتَقَدِّمين فسروا الْآيَات الثَّلَاث بِأَن الطَّرِيق الْمُسْتَقيم لَا يدل إِلَّا على الله وَمِنْهُم من فَسرهَا بِأَن عَلَيْهِ بَيَان الطَّرِيق الْمُسْتَقيم وَالْمعْنَى الأول مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْمُسلمين وَأما الثَّانِي فقد يَقُول طَائِفَة لَيْسَ على الله شَيْء لَا بَيَان هَذَا وَلَا هَذَا فَإِنَّهُم متنازعون هَل أوجب على نَفسه كَمَا قَالَ