دقائق التفسير — ابن تيمية
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ﴿٩﴾
وَذَلِكَ أَن الْيَهُود قبل النَّبِي ﷺ وعَلى عَهده وَبعده منتشرون فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وَعِنْدهم نسخ كَثِيرَة من التَّوْرَاة
وَكَذَلِكَ النَّصَارَى عِنْدهم نسخ كَثِيرَة من التَّوْرَاة وَلم يتَمَكَّن أحد من جمع هَذِه النّسخ وتبديلها وَلَو كَانَ هَذَا مُمكنا لَكَانَ ذَلِك من الوقائع الْعَظِيمَة الَّتِي تتوفر الدَّوَاعِي على نقلهَا وَكَذَلِكَ فِي الْإِنْجِيل قَالَ تَعَالَى
سُورَة الْحجر ٩ واتخاذ هَذِه معابد لَيْسَ من الدّين فَلهَذَا لم يحفظ هَذِه المقامات والمشاهد بل مَبْنِيّ أَمرهم على الْجَهْل والضلال وَإِنَّمَا يسْتَند أَهلهَا إِلَى منامات تكون من الشَّيَاطِين أَو إِلَى أَخْبَار وَإِمَّا مكذوبة وَإِمَّا منقولة عَمَّن لَيْسَ قَوْله حجَّة
وَالشَّيَاطِين تضل أَهلهَا كَمَا تضل عباد الْأَصْنَام فَتَارَة تكلمهم وَتارَة تتراءى لَهُم وَتارَة تقضي بعض حوائجهم وَتارَة تصيح وتحرك السلَاسِل الَّتِي فِيهَا الْقَنَادِيل وتطفىء الْقَنَادِيل وَتارَة تفعل أمورا أخر كَمَا تفعل عبَادَة الْأَوْثَان الَّتِي كَانَت للْعَرَب وَهِي الْيَوْم تفعل مثل ذَلِك فِي أوثان التّرْك والصين والسودان وَغَيرهم فيظنون أَن ذَلِك هُوَ الْمَيِّت أَو ملك صور على صورته وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان أضلهم بالشرك كَمَا يجْرِي ذَلِك لعباد الْأَصْنَام المصورة على صُورَة الْآدَمِيّين هَذَا بَاب وَاسع لَيْسَ هَذَا مَوضِع اسْتِقْصَائِهِ
٢٠٥
- فصل