دقائق التفسير — ابن تيمية
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴿١٣﴾
سُورَة إِبْرَاهِيم ١٣
وَقد ذمّ الله تَعَالَى وتبارك فِرْعَوْن بِكَوْنِهِ رفع نبوة مُوسَى بِمَا تقدم من قَتله نفسا بِغَيْر حق فَقَالَ ﴿ألم نربك فِينَا وليدا وَلَبِثت فِينَا من عمرك سِنِين وَفعلت فعلتك الَّتِي فعلت وَأَنت من الْكَافرين قَالَ فعلتها إِذا وَأَنا من الضَّالّين ففررت مِنْكُم لما خفتكم فوهب لي رَبِّي حكما وَجَعَلَنِي من الْمُرْسلين﴾ سُورَة الشُّعَرَاء ١٨ ٢١ وَكَانَ مُوسَى ﷺ قد تَابَ من ذَلِك كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَنهُ وَغفر لَهُ بقوله ﴿فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا من عمل الشَّيْطَان إِنَّه عَدو مضل مُبين قَالَ رب إِنِّي ظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي فغفر لَهُ إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ سُورَة الْقَصَص ١٥ ١٦
فَإِن قيل فَإِذا كَانَ قد غفر لَهُ فلماذا يمتنعون من الشَّفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة لأجل مَا بدا مِنْهُم فَيَقُول آدم إِذا طلبت مِنْهُ الشَّفَاعَة إِنِّي نهيت عَن أكل الشَّجَرَة وأكلت مِنْهَا نَفسِي نَفسِي اذْهَبُوا إِلَى نوح فَيَأْتُونَ نوحًا فَيَقُول إِنِّي دَعَوْت على أهل الأَرْض دَعْوَة لم أومر
بهَا والخليل يذكر تعريضاته الثَّلَاث الَّتِي سَمَّاهَا كذبا وَكَانَت تعريضا ومُوسَى يذكر قتل النَّفس
قيل هَذَا من كَمَال فَضلهمْ وخوفهم وعبوديتهم وتواضعهم فَإِن من فَوَائِد مَا يُتَاب مِنْهُ أَن يكمل عبودية العَبْد ويزيده خوفًا وخضوعا فيرفع الله بذلك دَرَجَته وَهَذَا الِامْتِنَاع مِمَّا يرفع الله بِهِ درجاتهم وَحِكْمَة الله تعلى فِي ذَلِك أَن تصير الشَّفَاعَة لمن غفر الله مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر
وَلِهَذَا كَانَ مِمَّن امْتنع وَلم يذكر ذَنبا الْمَسِيح وَإِبْرَاهِيم أفضل مِنْهُ وَقد ذكر ذَنبا وَلَكِن قَالَ الْمَسِيح لست هُنَاكُم اذْهَبُوا إِلَى عبد غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وَتَأَخر الْمَسِيح عَن الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي خص بِهِ مُحَمَّد ﷺ هُوَ من فَضَائِل الْمَسِيح وَمِمَّا يقربهُ إِلَى الله صلوَات الله عَلَيْهِم أجميعن
فَعلم أَن تأخرهم عَن الشَّفَاعَة لم يكن لنَقص درجاتهم عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ بل لما علموه من عَظمَة الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي يَسْتَدْعِي من كَمَال مغْفرَة الله للْعَبد وَكَمَال عبودية العَبْد لله مَا اخْتصَّ بِهِ من غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وَلِهَذَا قَالَ الْمَسِيح اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّد عبدا غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر فَإِنَّهُ إِذا غفر لَهُ مَا تَأَخّر لم يخف أَن يلام إِذا ذهب إِلَى ربه ليشفع وَإِن كن لم يشفع إِلَّا بعد الْإِذْن بل إِذا سجد وَحمد ربه بِمَحَامِد يفتحها عَلَيْهِ لم يكن يحسنها قبل ذَلِك فَيُقَال لَهُ أَي مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك وَقل يسمع وسل تعطه
وَاشْفَعْ تشفع وَهَذَا كُله فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا
وَأما من قيل لَهُ تقدم وَلم يعرف أَنه غفر لَهُ مَا تَأَخّر فيخاف أَن يكون ذَهَابه إِلَى الشَّفَاعَة قبل أَن يُؤذن لَهُ فِي الشَّفَاعَة ذَنبا فَتَأَخر لكَمَال خَوفه من الله تَعَالَى وَيَقُول أَنا قد أذنبت وَمَا غفر لي فَأَخَاف أَن اذنب ذَنبا آخر فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ
لَا يلْدغ الْمُؤمن من جُحر مرَّتَيْنِ
وَمن مَعَاني ذَلِك أَنه لَا يُؤْتى من وَجه وَاحِد مرَّتَيْنِ فَإِذا ذاق مَا فِي الذَّنب من الْأَلَم وَزَالَ عَنهُ خَافَ أَن يُذنب ذَنبا آخر فَيحصل لَهُ ذَلِك الْأَلَم وَهَذَا كمن مرض من أَكلَة ثمَّ عوفي فَإِذا دعِي إِلَى كل شَيْء خَافَ أَن يكون مثل ذَلِك الأول لم يَأْكُلهُ يَقُول قد أصابني بِتِلْكَ الْأكلَة مَا أصابني فَأَخَاف أَن تكون هَذِه مثل تِلْكَ ولبسط هَذِه الْأُمُور مَوضِع آخر
فصل
قَالَ تَعَالَى ﴿وَجعلُوا لله شُرَكَاء الْجِنّ وخلقهم وخرقوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات بِغَيْر علم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يصفونَ بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَنى يكون لَهُ ولد وَلم تكن لَهُ صَاحِبَة وَخلق كل شَيْء وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾ فَإِن قَوْله ﴿بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَي مبدعهما كَمَا ذكر مثل ذَلِك فِي الْبَقَرَة وَلَيْسَ المُرَاد أَنَّهُمَا بديعة سماواته وأرضه كَمَا تحتمله الْعَرَبيَّة لَوْلَا السِّيَاق لِأَن الْمَقْصُود نفي مَا زعموه من خرق الْبَنِينَ وَالْبَنَات لَهُ وَمن كَونه اتخذ ولدا
وَهَذَا يَنْتَفِي بضده كَونه أبدع السَّمَوَات ثمَّ قَالَ ﴿أَنى يكون لَهُ ولد﴾ وَذكر ثَلَاثَة أَدِلَّة على نفي ذَلِك
أَحدهَا كَونه لَيْسَ لَهُ صَاحِبَة فَهَذَا نفي الْولادَة الْمَعْهُودَة وَقَوله ﴿وَخلق كل شَيْء﴾ نفي للولادة الْعَقْلِيَّة وَهِي التولد لِأَن خلق كل شَيْء يُنَافِي تولدها عَنهُ وَقَوله
﴿وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾ يشبه وَالله أعلم أَن يكون لما ادَّعَت النَّصَارَى أَن المتحد بِهِ هُوَ الْكَلِمَة الَّتِي يفسرونها بِالْعلمِ والصائبة الْقَائِلُونَ بالتولد وَالْعلَّة لَا يجعلونه عَالما بِكُل شَيْء ذكر أَنه بِكُل شَيْء عليم لإِثْبَات هَذِه الصّفة لَهُ ردا على الصائبة ونفيها عَن غَيره ردا على النَّصَارَى
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَقَوْل من قَالَ بتولد الْعُقُول والنفوس الَّتِي يَزْعمُونَ أَنَّهَا الْمَلَائِكَة أظهر فِي كَونهم يَقُولُونَ أَنه ولد الْمَلَائِكَة وَأَنَّهُمْ بنوه وَبنَاته فالعقول بنوه والنفوس بَنَاته من قَول النَّصَارَى
وَدخل فِي هَذَا من تفلسف من المنتسبة إِلَى الْإِسْلَام حَتَّى إِنِّي أعرف كَبِيرا لَهُم سُئِلَ عَن الْعقل وَالنَّفس فَقَالَ بِمَنْزِلَة الذّكر وَالْأُنْثَى فقد جعلهم كالابن وَالْبِنْت وهم يجعلونهم متولدين عَنهُ تولد الْمَعْلُول عَن الْعلَّة فَلَا يُمكنهُ أَن يفك ذَاته عَن معلوله وَلَا معلوله عَنهُ كَمَا لَا يُمكنهُ أَن يفصل نَفسه عَن نَفسه بِمَنْزِلَة شُعَاع الشَّمْس مَعَ الشَّمْس وأبلغ
وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ إِن هَذِه الْأَرْوَاح الَّتِي وَلَدهَا مُتَّصِلَة بالأفلاك الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب كاتصال اللاهوت بجسد الْمَسِيح فيعبدونها كَمَا عبدت النَّصَارَى الْمَسِيح إِلَّا أَنهم أكفر من وُجُوه كَثِيرَة وهم أَحَق بالشرك من النَّصَارَى فَإِنَّهُم يعْبدُونَ مَا يعلمُونَ أَنه مُنْفَصِل عَن الله وَلَيْسَ هُوَ إِيَّاه وَلَا صفة من صِفَاته وَالنَّصَارَى يَزْعمُونَ أَنهم مَا يعْبدُونَ إِلَّا مَا اتَّحد بِاللَّه لَا لما وَلَده من المعلولات
ثمَّ من عبد الْمَلَائِكَة وَالْكَوَاكِب وأرواح الْبشر وأجسادهم اتخذ الْأَصْنَام على صورهم وطبائعهم فَكَانَ ذَلِك أعظم أَسبَاب عبَادَة الْأَصْنَام
وَلِهَذَا كَانَ الْخَلِيل إِمَام الحنفاء مُخَاطبا لهَؤُلَاء الَّذين عبدُوا الْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالَّذين عبدُوا الْأَصْنَام مَعَ إشراكهم واعترافهم بِأَصْل الْجَمِيع
وَقد ذكر الله قصتهم فِي الْقُرْآن فِي غير مَوضِع وَأُولَئِكَ هم الصابئون الْمُشْركُونَ الَّذين ملكهم نمروذ وعلماؤهم الفلاسفة من اليونانيين وَغَيرهم الَّذين كَانُوا بِأَرْض الشَّام والجزيرة وَالْعراق وَغَيرهَا وجزائر الْبَحْر قبل النَّصَارَى وَكَانُوا بِهَذِهِ الْبِلَاد فِي أَيَّام بني إِسْرَائِيل وهم الَّذين كَانُوا يُقَاتلُون بني إِسْرَائِيل فيغلبون تَارَة ويغلبون تَارَة وسنحاريب وبخت نصر وَنَحْ