×
يوسفالآية ٣٢

دقائق التفسير — ابن تيمية

قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًۭا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ﴿٣٢﴾

سُورَة يُوسُف ٣٢ فَأخْبرت بِجَمَال ظَاهره حِين أشارت إِلَيْهِ بِالْخرُوجِ عَلَيْهِنَّ ثمَّ ضمت إِلَى ذَلِك اخبارهم بِأَن بَاطِنه أجمل من ظَاهره بِأَنِّي راودته فَأبى إِلَّا الْعِفَّة وَالْحيَاء والاستعصام ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ من أَعمال الْأَبْرَار مَا ينتبه سامعه على جمعهم لأعمال الْبر كلهَا فَذكر سُبْحَانَهُ وفاءهم بِالنذرِ وخوفهم من رَبهم واطعامهم الطَّعَام على محبتهم لَهُ واخلاصهم لرَبهم فِي طاعتهم وَذكر سُبْحَانَهُ الْوَفَاء بِالنذرِ وَهُوَ أَضْعَف الْوَاجِبَات فَإِن العَبْد هُوَ الَّذِي اوجبه على نَفسه الْتِزَامه فَهُوَ دون مَا أوجبه الله سُبْحَانَهُ وَعَلِيهِ فَإِذا (وفى) لله بأضعف الواجبين الَّذِي الْتَزمهُ هُوَ فَهُوَ بِأَن يُوفى بِالْوَاجِبِ الاعظم الَّذِي اوجبه الله عَلَيْهِ أولى وَأَحْرَى وَمن هَهُنَا قَالَ من قَالَ من الْمُفَسّرين المقربون يُوفونَ بِطَاعَة الله ويقومون بِحقِّهِ عَلَيْهِم وَذَلِكَ أَن العَبْد إِذا نذر لله طَاعَة فوفى بهَا فَإِنَّمَا يفعل ذَلِك لكَونهَا صَارَت حَقًا لله يجب الْوَفَاء بهَا وَهَذَا مَوْجُود فِي حُقُوقه كلهَا فَهِيَ فِي ذَلِك سَوَاء ثمَّ أخبر عَنْهُم بِأَنَّهُم يخَافُونَ الْيَوْم العسير القمطرير وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة فَفِي ضمن هَذَا الْخَوْف إِيمَانهم بِالْيَوْمِ الآخر وكفهم عَن الْمعاصِي الَّتِي تَضُرهُمْ فِي ذَلِك الْيَوْم وقيامهم بالطاعات الَّتِي يَنْفَعهُمْ فعلهَا ويضرهم تَركهَا فِي ذَلِك الْيَوْم ثمَّ أخبر عَنْهُم باطعام الطَّعَام على محبتهم لَهُ وَذَلِكَ يدل على نفاسته عِنْدهم وحاجتهم إِلَيْهِ وَمَا كَانَ كَذَلِك فالنفوس بِهِ أشح والقلوب بِهِ أعلق وَالْيَد لَهُ أمسك فَإِذا بذلوه فِي هَذِه الْحَال فهم لما سواهُ من حُقُوق الْعباد أبذل فَذكر من حُقُوق الْعباد بذل قوت النَّفس على نفاسته وَشدَّة الْحَاجة منبها على الْوَفَاء بِمَا دونه كَمَا ذكر من حُقُوقه الْوَفَاء بِالنذرِ منبها على الْوَفَاء بِمَا هُوَ فَوْقه وَأوجب مِنْهُ وَنبهَ بقوله ﴿على حبه﴾ الْآيَة ٨ أَنه لَوْلَا أَن الله سُبْحَانَهُ أحب إِلَيْهِم مِنْهُ لما آثروه على مَا يحبونه فآثروا المحبوب الْأَعْلَى على الْأَدْنَى ثمَّ ذكر أَن مصرف طعامهم إِلَى الْمِسْكِين واليتيم والأسير الَّذين لَا قُوَّة لَهُم ينصرونهم بهَا وَلَا مَال لَهُم يكافئونهم بِهِ وَلَا أهل وَلَا عشيرة يتوقعون مِنْهُم مكافأتهم كَمَا يَقْصِدهُ أهل لدُنْيَا والمعاوضون بانفاقهم واطعامهم ثمَّ أخبر عَنْهُم أَنهم إِنَّمَا فعلوا ذَلِك لوجه الله وَأَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ من أطعموه عوضا من أَمْوَالهم وَلَا ثَنَاء عَلَيْهِم بألسنتهم كَمَا يُريدهُ من لَا اخلاص لَهُ باحسانه إِلَى النَّاس من معاوضتهم أَو الشكُور مِنْهُم فتضمن ذَلِك الْمحبَّة والاخلاص والاحسان ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ عَنْهُم بِمَا صدقهم عَلَيْهِ قبل أَن يقولوه حَيْثُ قَالُوا