روائع التفسير — ابن رجب الحنبلي
مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ ﴿١٧﴾
قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)
عمارةُ المساجدِ تكونُ بمعنيين:
أحدُهما: عمارتُها الحسِّيَّة ببنائِها وإصلاحِها وترميمِها، وما أشْبَه ذلك.
والثاني: عمارتُها المعنويّة بالصلاةِ فيها، وذكْرِ اللَّهِ وتلاوةِ كتابِهِ، ونشرِ العلم الذي أنزلَهُ على رسولِهِ، ونحو ذلك.
وقد فُسِّرت الآيةُ بكلِّ واحدٍ من المعنيين، وفُسِّرتْ بهما جميعًا، والمعنى
الثاني أخصُّ بها.
وقد خرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجةَ من حديث درَّاج، عن أبي
الهيثم، عن أبي سعيدٍ، عنِ النبيِّ - ﷺ -، قال:
"إذا رأيتم الرجلَ يعتاد المسجدَ فاشهدُوا له بالإيمان "، ثم تلا:
(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الآية.
ولكنْ قال الإمامُ أحمدُ: هو منكرٌ.
وقوله: (مَا كانَ لِلْمُشْرِكينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ)، وقُرِئ: "مسْجدَ
اللهِ ".
فَقيل: إنَّ المرادَ به جميعُ المساجد على كِلا القراءتينِ، فإنَّ المفردَ المضافَ
يعمُّ، كقوله: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ) .
وقيلَ: المرادُ بالمسجدِ المسجدُ الحرامُ خاصة، كما قال: (وَمَا كانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَقُونَ) .
وقيلَ: إنه المرادُ بالمساجدِ على القراءةِ الأخرى، وأنه جَمَعَه لتعددِ بِقَاع
المناسكِ هناك، وكلُّ واحد منها في معنى مسجد.
رُوي ذلك عن عكرمة. واللَّهُ أعلمُ.
فمَنْ قالَ: إنَّ المرادَ به المسجدُ الحرامُ خاصَّة، قال: لا يُمكَّن الكفارُ من
دخولِ الحرمِ كله، بدليل قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) .
وجمهورُ أهلِ العلم على أنَّ الكفارَ يُمْنَعُون من سُكْنى الحرم، ودخولِهِ
بالكليّة، وعمارته بالطواف وغيرِه، كما أمرَ النبي - ﷺ - منْ يُنادي: "لا يحج بعد العام مشركٌ ". ً
ورَخَّصَ أبو حنيفة لهم في دخولِهِ دونَ الإقامةِ به.
ومنْ قال: المرادُ جميعُ المساجدِ، فاختلفُوا:
فمنهم: مَنْ قال: لا يُمكنُ الكفارُ من قُربان مسجد من المساجد، ودخوله
بالكليّة.
ومنهم: من رَخَّص لهم في دخولِ مساجدِ الحِلِّ في الجملةِ.
ومنهم: من فرَّق بين أهلِ الكتابِ والمشركينَ، فرَخَّصَ فيه لأهلِ الكتابِ
دونَ المشركينَ.
وقد أفردَ البخاريُ بابًا لدخولِ المشركِ المسجدَ، ويأتي الكلام على هذه
المسألة هناك مستوفى - إنْ شاء اللَّه تعالى.
واتفقُوا على مَنْع الكفارِ منْ إظْهَارِ دِينِهِم في مساجدِ المسلمين، لا نعلم في
ذلك خلافًا.
وهذا مما يدلُّ على اتفاقِ الناسِ على أنَّ العمارةَ المعنوية مرادةٌ من الآيةِ.
واختلفُوا في تمكينِهم من عمارةِ المساجدِ بالبُنْيانِ والترميم ونحوه على
قولين:
أحدهما: المنع منْ ذلك، لدخولِه في العمارةِ المذكورةِ في الآيةِ، ذكرَ ذلك
كثيرٌ من المفسرينَ كالواحدي وأبي الفرج ابنِ الجوزيِّ، وكلام القاضي
أبي يعْلى في كتابِ "أحكام القرآنِ " يوافقُ ذلك وكذلك كِيَا الهراسي - من
الشافعيةِ -، وذكره البغويُّ منهم احتمالًا.
والثاني: يجوزُ ذلك، ولا يُمنعونَ منه، وصرَّح به طائفةٌ من فقهاءِ أصحابِنا
والبغويّ من الشافعية وغيرهم.
وهؤلاءِ، منهم مَنْ حملَ العمارةَ على العمارةِ المعنويةِ خاصة، ومنهم منْ
قالَ: الآية ُ إنما أُريد بها المسجد الحرامُ، والكفارُ ممنوعونَ من دخولِ الحرمِ على كل وَجْهٍ، بخلاف بقيةِ المساجدِ، وهذا جوابُ ابنِ عقيل من أصحابِنا.
وقد رُوي عن عُمَرَ بن عبدِ العزيزِ، أنه استعملَ طائفةً من النصارى في
عمارةِ مسجدِ النبيِّ - ﷺ - لما عمَّره في خلافةِ الوليدِ بنِ عبدِ المَلكِ.
ويتوجه قولٌ ثالثٌ، وهو: أنَّ الكافرَ إن بنى مسجدًا للمسلمينَ من مَالِهِ لم
يمكَّن من ذلكَ. ولو لم يُبَاشِره بنفسه، وإنْ باشَرَ بناءه بنفسِهِ باستئجارِ
المسلمينَ له جازَ، فإن في قبولِ المسلمينَ منَّةَ الكفارِ ذُلًّا للمسلمينَ، بخلافِ
استئجارِ الكفار للعملِ للمسلمينَ، فإن فيه ذُلًّا للكفارِ.
وقد اختلفَ الناسُ في هذا - أيضًا - على قولينِ:
أحدُهما: أنه لو وصَّى الكافرُ بمالٍ للمسجدِ أو بمالٍ يعمر به مسجد أو يُوقَدُ
به، فإنه تُقْبَلُ وصيّتُه، وصرَّح به القاضي أبو يعلى في "تعليقه " في مسألةِ
الوقيد، وكلامُه يدلُّ على أنه محلُ وفاقٍ، وليس كذلك.
والثاني: المنعُ من ذلك، وأنه لا تُقبلُ الوصيةُ بذلكَ، وصرَّح به الواحديُّ
في "تفسيره" وذكره ابنُ مزين في كتابِ "سيرِ الفقهاءِ" عن يحيى بن يحيى.
قال: سمعتُ مالكًا، وسُئلَ عن نصراني أوْصَى بمالٍ تُكْسى به الكعبةُ؛ فأنكر
ذلكَ، وقال: الكعبةُ منزهةٌ عن ذلكَ.
وكذلك المساجدُ لا تجري عليها وصايَا أهل الكفرِ.
وكذلك قال محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الأنصاري قاضي البصرةِ: لا يصحُّ وقفُ
النصرانيِّ على المسلمينَ عُمومًا، بخلافِ المسلم المعينِ، والمساجدُ من الوَقْفِ
على عمومِ المسلمين: ذكرَه حرْبٌ، عنه بإسنادِهِ.
وقال عبدُ اللَّهِ بنُ أحمد: سألتُ أبي عن المرأةِ الفقيرةِ تجيءُ إلى اليهوديِّ
أو النصرانيِّ فتصدق منه؟
قال: أخْشى أنَّ ذلك ذِلَّة.
وقال مُهنَّا: قلتُ لأحمدَ: يأخذُ المسلمُ من النصرانيِّ من صدقتِهِ شيئًا.
قال: نعم، إذا كان مُحتاجًا.
فقد يكونُ عن أحمدَ روايتان في كراهةِ أخذِ المسلم المعينِ من صدقةِ
الذِّميِّ، وقد يكونُ كرِهَ السؤالَ، ورَخَّصَ في الأخذِ منه بغيرِ سؤالِ، واللَّهُ
أعلمُ.
وأمَّا وقْفُهم على عمومِ المسلمينَ كالمساجدِ، فيتوجهُ كراهتُه بكلِّ حالٍ، كما
قالهُ الأنصاريّ.
وقد ذكَرَ أهلُ السيرِ كالواقديِّ ومحمدِ بنِ سعدٍ أنَّ رجلًا من أحبار اليهودِ.
يقال له: مُخيْريق، خرجَ يومَ أُحدٍ يقاتل مع النبيِّ - ﷺ - وقال: إنْ أصبتُ في وجهي هذا فمالي لمحمدٍ يضعه حيثُ شاء، فقُتل يومئذ، فقبضَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أموالَه، فقيل: إنَّه فرَّقها وتصدَّق به، وقيل: إنَّه حبسها ووقفَها.
وروى ابنُ سعدٍ ذلك بأسانيد متعددة، وفيها ضعف. واللَّه أعلم.
* * *
قال الله تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)
وفي "صحيح مسلم" عن النُّعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: كنتُ عند مِنبَرِ النبيِّ - ﷺ -
فقال رجلٌ: ما أبالِي أن لا أعملَ عملًا بعد الإسلامِ إلا أنْ أسقِيَ
الحاجَّ.
وقال آخرُ: ما أبالِي أنْ لا أعملَ عملًا بعد الإسلامِ، إلا أنَّ أعْمُرَ
المسجدَ الحرامَ.
وقالَ آخرُ: الجهاد في ممبيلِ اللهِ أفضلُ ممَّا قُلتم، فزجرَهُم
عُمَرُ، وقال: لا ترفعُوا أصواتكم عندَ منبرِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - وهو يوم الجمعةِ -، ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلْتُ فاسْتفْتيتُهُ فيما اختلفتُم فيه، فأنزلَ اللَّهُ ﷿: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، إلى آخرِ الآيةِ. فهذا الحديثُ الذي فيه ذِكْرُ سببِ نُزولِ هذه الآيةِ يبيِّنُ أن المرادَ أفضلُ ما يُتقرَّبُ به إلى اللَّهِ تعالى من أعمالِ النوافلِ والتطوع.
وأنَّ الآيةَ تدلُّ على أنَّ أفضلَ ذلكَ الجهادُ مع الإيمانِ.
فدل على أنَّ التطوعُ بالجهادِ أفضلُ من التطوعُّ بعمارةِ المسجد الحرامِ وسقاية الحاجِّ.
وعلى مثلِ هذا يحملُ حديثُ أبي هريرةَ - ﵁ -.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)
خرَّجَ البخاريُّ ومسلم:
من حديثِ: أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "والذي نفسِي بيدِهِ، لا يُؤمنُ
أحدُكُم حتَّى كُونَ أحبَّ اليه منْ والدِهِ وولدِهِ ".
وخرَّج البخاريُّ ومسلم - أيضًا:
من حديث: أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:
"لا يؤمنُ أحدُكُم حتَّى أكُونَ أحبَّ إليه من والدِهِ وولدِهِ والناسِ أجمعينَ ".
محبةُ النبيِّ - ﷺ - من أصولِ الإيمانِ، وهي مقارِنة لمحبةِ اللَّه ﷿.
وقد قرنها اللَّهُ بها وتوعَّد من قدَّم عليهما محبةَ شيءٍ من الأمورِ المحبوبةِ
طبعًا، من الأقاربِ والأموالِ والأوطانِ وغير ذلك.
فقال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) .
ولما قال عمرُ للنبيّ - ﷺ -: أنتَ أحبُّ إليَّ من كلِّ شيءٍ إلا من نفْسِي.
فقال: "لا يا عُمَرُ حتَّى "أكُونَ أحبَّ إليك من نفسكَ "، فقال عمرُ: واللَّه، أنتَ الآنَ أحبُّ إليَّ من نفْسِي.
قال: "الآن يا عُمَرُ" َ.
فيجبُ تقديم محبةِ الرسولِ - ﷺ - على النفوسِ والأولادِ والأقاربِ والأهلينَ والأموالِ والمساكنِ، وغيرِ ذلكَ مما يحبُّه الناسُ غايةَ المحبةِ.
وإنما تتمُّ المحبةُ بالطَّاعةِ، كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) .
وسئلَ بعضُهم عن المحبةِ، فقالَ: الموافقةُ في جميع الأحوالِ.
فعلامةُ تقديمِ محبةِ الرسولِ على محبةِ كلِّ مخلوقٍ أنَّه إذا تعارضَ طاعةُ
الرسولِ - ﷺ - في أوامر، وداع آخر يدعو إلى غيْرِها من هذه الأشياء المحبوبة، فإنْ قدَّم المرءُ طاعةَ الرسول، وامتثالَ أوامر على ذلكَ الداعِي، كان دليلًا على صحَّةِ محبتِهِ للرسولِ، وتقديمِها على كلِّ شيءٍ، وإن قدَّم على طاعتِهِ وامتثالِ أوامر شيئًا من هذه الأشياءِ المحبوبةِ طبعًا، دلَّ ذلك على عدمِ إتيانِهِ بالإيمانِ التامِّ الواجبِ عليه.
وكذلك القولُ في تعارضِ محبةِ اللَّهِ ومحبةِ داعِي الهوى والنفس، فإن
محبةَ الرسولِ تبعٌ لمحبةِ مرسلِهِ ﷿.
هذا كلُّه في امتثال الواجباتِ، وتركِ المحرَّماتِ، فإن تعارضَ داعِي النفسِ.
ومندوباتِ الشريعةِ، فإنْ بلغتِ المحبةُ إلى تقديمِ المندوباتِ على دواعِي
النفسِ، كان ذلكَ علامةُ كمالِ الإيمانِ، وبلوغِهِ إلى درجةِ المقربينَ المحبوبين.
المتقربينَ بالنوافلِ بعد الفرائضِ.
وإنْ لم تبلغْ هذه المحبةُ هذه الدرجةِ، فهي درجةُ المقتصدينَ، أصحابِ
اليمينِ، الذين كملتْ محبتُهم الواجبةُ، ولم يزيدوا عليها.
* * *
وأما محبةُ الرسولِ، فتنشأ عن معرفتِهِ ومعرفةِ كمالِهِ وأوصافِهِ وعظم ما
جاءَ به، وينشأُ ذلكَ من معرفةِ مرسلِهِ وعظمتِهِ، كما سبقَ، فإنَّ محبةَ اللَّهِ لا
تتمُّ إلا بطاعتِه، ولا سبيلَ إلى طاعتِهِ إلا بمتابعةِ رسولِهِ، كما قال تعالى:
(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) .
ومحبةُ الرسولِ على درجتينِ - أيضًا:
إحداهُما: فرضٌ، وهي ما اقتضى طاعتَه في امتثالِ ما أمرَ به من الواجباتِ.
والانتهاءِ عمَّا نهى عنه من المحرَّماتِ، وتصديقِهِ فيما أخبرَ به من المخبراتِ.
والرضا بذلك، وأن لا يجدَ في نفسِهِ حرجًا مما جاءَ بهِ، ويسلِّمَ له تسليمًا.
وأن لا يتلقَّى الهُدى من غيرِ مشكاتِهِ، ولا يطلبُ شيئا من الخيرِ إلا ما جاء
الدرجة الثانية: فضل مندوب إليه، وهي ما ارتقى بعدَ ذلكَ إلى اتَباع سنتِهِ
وآدابِهِ وأخْلاقِهِ، والاقتداءِ به في هديه وسمتِهِ، وحسنِ معاشرتِهِ لأهلِهِ
وإخوانِهِ، وفي التخلقِ بأخلاقِهِ الظاهرةِ في الزهد في الدنيا، والرغبةِ في
الآخرةِ، وفي جُودِهِ وإيثاره وصفْحِهِ وحِلْمِهِ واحتمالِهِ وتواضعهِ.
وفي أخلاقِهِ الباطنةِ، من كمالِ خشيتِهِ للَّهِ، ومحبتِهِ له، وشوقِهِ إلى لقائهِ.
ورضاه بقضائِهِ، وتعلقِ قلبه به دائمًا، وصدقِ الالتجاءِ إليه، والتوكلِ
والاعتمادِ عليه، وقطع تعلُّقِ القلبِ بالأسبابِ كلِّها، ودوامِ لَهَج القلبِ
واللسانِ بذكره، والأنس به، والتنعم بالخَلْوةِ بمُناجاتِهِ ودعائِهِ، وتلاوةِ كتابِهِ
بالتدبرِ والتفكرِ.
وفي الجملةِ، فكان خلقه - ﷺ - القرآنُ، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه، فأكملُ الخلقِ من حقَّقَ متابعتَهُ وتصديقَه قولًا وعملًا وحالًا، وهم الصدِّيقونَ من أُمَّتِهِ، الذين رَأسُهم أبو بكرٍ خليفتُهُ من بعدِهِ.
* * *
قال الله ﷿: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤) .
قال أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ خفيفٍ الصوفيُّ: سألنا أبو العباس أبن سريجِ
بشيراز فقالَ لنا: "محبةُ اللَّهِ فرضٌ أمْ غيرُ فرضٍ؟
قلنا: فرضٌ قال: ما الدلالةُ على فرضِهَا؟
فما منا من أتى بشيءٍ يُقبلُ فرجَعْنا إليه وسألناه: ما الدليلُ على
فرضِ محبةِ اللَّهِ ﷿؟
فقالَ: قولُه تعالى: (قُلْ إِن كانَ آبَاؤُكمْ) إلى قوله: (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ)، قال: فتوعدَّهم اللَّهُ ﷿ على تفضيلِ محبتهِم لغيرِه على محبَّتِهِ
ومحبةِ رسولِهِ، والوعيدُ لا يقعُ إلا فرضٍ لازم وحتم واجبٍ ".
وفي "الصحيحينِ " عن أنس عن النبيِّ - ﷺ - قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدُكُم حتَى أكُونَ أحبَّ إليهِ من والدِهِ وولدِهِ والناسِ أجمعينَ ".
وفي "الصحيحينِ " أيضًا أنَّ عمرَ بنِ الخطابِ - ﵁ - قال:
يا رسولَ اللَّه، واللَّهِ لأنتَ أحبُّ إليَّ من كُلِّ شيءٍ إلا من نفسِي، فقال: "لا يا عمر، حتَّى أكُونَ أحبَّ إليْكَ من نفْسِك "
فقال: واللَّهِ لأنتَ أحبُّ إليَّ من نفسِي.
فقال: "الآن يا عُمَرُ".
ومعلوم أنَّ محبةَ الرسولِ إنما هي تابعةٌ لمحبةِ اللَّه جل وعلا، فإنَّ الرسولَ
إنما يُحَبُّ موافقةً لمحبةِ اللَّه له ولأمرِ اللَّهِ بمحبته وطاعته واتباعِهِ، فإذا كان
لا يحصلُ الإيمانُ إلا بتقديمِ محبتهِ على الأنفسِ والأولادِ والآباء والخلقِ كلِّهم.
فما الظنُّ بمحبةِ اللَّهِ ﷿، وذكرَ ابنُ إسحاقَ عن المغيرةِ بنِ عثمانَ بنِ
الأخنسِ عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ أنَّ النبيَّ - ﷺ - خطبَ لما قدمَ المدينةَ، فقالَ في خطبتهِ: "أحِبُّوا منْ أحَبَّ اللهَ وأحِبُّوا اللَّهَ من كلِّ قلوبِكُم ".
وقد جعلَ النبيُّ - ﷺ - تقديمَ محبةِ اللَّهِ ورسولِهِ على محبَّةِ غيرِهما من خصالِ الإيمانِ ومن علاماتِ وجودِ حلاوةِ الإيمانِ في القلوبِ:
ففي "الصحيحينِ " عن أنسٍ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قال:
" ثلاثٌ منْ كُنَّ فيه وجدَ بهنَّ حلاوةَ الإيمانِ: أن يكونَ اللَّهُ ورسولُهُ أحب إليْه مما سواهُما، وأنْ يحبَّ المرْءَ لا يحبُّهُ إلا للَّهِ، وأنْ يكْرَه أنْ يعودَ في الكفر بعدَ إذ أنقذَهُ اللَهُ منه، كما يكرهُ أن يُلقى في النارِ".
وفي روايةِ النسائي: "ثلاث من كُن فيه وجدَ حلاوةَ الإيمانِ وطعْمَهْ أن يكونَ
اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مما سواهُما، وأنْ يُحِبَّ في اللَّهِ ويبغِضَ في اللهِ، وأن تُوقَدَ نارٌ فيقعَ فيها أحب إليه من أنْ يُشْرِكَ باللَّهِ شيئًا".
وفي "مسند الإمامِ أحمدَ" عن أبي رزين العقيلي قالَ: قلتُ يا
رسولَ اللَّهِ، ما الإيمانُ؟
قال: "أن تشهدَ أن لا إله إلا اللَّهُ، وحده لا شريكَ له، وأنَّ
محمدًا عبده ورسولُهُ، وأنْ يكونَ اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إليْكَ ممَّا سواهُما، وأن تُحْرَقَ في النَّارِ أحبَّ إليكَ من أنْ تُشْرِكَ باللهِ، وأنْ تحِبَّ غيرَ ذي نَسَب لا تُحبُّهُ إلا للهِ، فإذا كُنتَ كذلك فقدْ دخلَ حبُّ الإيمانِ في قلبِكَ كما دخلَ حُبُّ الماءِ للظَّمآنِ في اليومِ القائِظِ ".
وروي من حديثِ المقدادِ بنِ الأسودِ عن النبي - ﷺ - قال: "من أحبَّ اللَهَ ورسولَهَ
صادقًا من قلبِهِ، ولقيَ المؤمنينَ فأحبَّهم، ومن كان أمرُ الجاهليةِ عندَهُ كنارٍ أُجِّجَتْ فأُلقيَ فيها فقد فقدْ طعِمَ طَعْمَ الإيمانِ "
أو قال: "بلغ ذُرْوةَ الإيمانِ ".
ومن هذا المعنى أن اللَّه تعالى قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)، فأمرَ بامتحانِهنَّ ليعْلمَ إيمانَهنَّ، فكانَ النبيُّ - ﷺ - يحلفهنَّ أنهنُّ ما خرجْنَ إلا حبًّا لله ورسولِهِ، لم يخرجْنَ رغبةً في غيرِ ذلكَ، فيكونُ ذلك عِلمًا بإيمانهنَّ.
قال ابنُ عباسٍ في هذهِ الآيةِ: "كانتِ المرأةُ إذا أتْتِ النبيَّ - ﷺ - لِتُسْلِمَ حَلَّفها بالله ما خَرَجْتِي منْ بُغْضِ زوْج إلا حبًّا للَّه ورسولهِ " وهو موجود في بعضِ نسخ الترمذي كذلك.
وخرَّجه البزَّارُ في "مسندِهِ "، وابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتم، ولفظُه:
"حلَّفها باللَّهِ ما خرجْتِي منْ بُغْضِ زوْج، وباللَّهِ ما خرجْتِي إلا حبًّا للَّه
ورسولِهِ ".
وخرَّج إبراهيم بنُ الجنيدِ الختليُّ في كتابِ "المحبةِ" بإسنادٍ ضعيفٍ عن أبي
هريرةَ مرفوعًا قال: "الإيمانُ في قلبِ الرَّجُلِ أنْ يُحِبَّ اللَّه ﷿ "، ومن مراسيل الزهريِّ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال:
"رأسُ الإيمانِ المحبةُ لله ﷿، وطابِعُ الإيمانِ البِرُّ والعَدْلُ، وتحقيقُ الإيمانِ بإكرام ذي الدِّين وذي الشيْبَةِ".
ومحبةُ اللَّهِ ﷾ على درجتينِ:
إحداهُما: فرضٌ لازِم: وهي أنْ يحبَّ اللَّه سبحانَهُ محبةً توجب لَهُ، محبةَ
ما فرضَهُ اللَّهُ عليه، وبغضَ ما حرَّمه عليه، ومحبةً لرسولِهِ المبلغ عنه أمرَهُ
ونهيَهُ، وتقديمَ محبتِهِ على النفوسِ والأهلينَ أيضًا كما سبقَ، والرِّضا بما بلَّغَهُ
عن اللَّهِ من الدّينِ وتلقِّي ذلك بالرضا والتسليم، ومحبةَ الأنبياءِ والرسل
والمتبعينَ لهم بإحسانٍ جملةً وعمومًا للَّه ﷿، وبغضَ الكفارِ الفجارِ
جملةً وعمومًا للَّه ﷿، وهذا القدرُ لابُدَّ منه في تمامِ الإيمان الواجبِ.
ومن أخَلَّ بشيءٍ منه فقدْ نقَصَ من إيمانِهِ الواجبِ بحسبِ ذلك.
قال اللَّهُ ﷿: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، وكذلك ينقُصُ من محبتِهِ الواجبةِ بحسبِ ما أخَلَّ به من ذلكَ، فإنَّ المحبةَ الواجبةَ تقتضِي فِعلَ الواجباتِ وتركَ المحرَّماتِ.
وخرَّج أبو نُعيمٍ من حديثِ عمرَ بنِ الخطابِ - ﵁ - قال: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ: "إنَّ سالمًا" - يعني موْلَى أبي حذيفةَ - "شَدِيدَ الحبِّ للَّه لوْ كان لا يخافُ اللَّهَ ما عصاهُ "
يُشيرُ إلى أنَّ محبَّةَ اللَّه تمْنَعُهُ منْ أن يعصِيهُ، وذكرَ أبو عبيدٍ في
"غريبِهِ " أنَّ عمرَ قال: "نعمَ العبدُ صهيبٍ لو لم يخَفِ اللَّهَ لم يعْصِهِ ".
قال الحسنُ بنُ آدمَ: "أحبَّ اللَّهَ يحبَّك اللَّهُ، واعلمْ أنك لن تحبَّ اللَّه حتى
تحبَّ طاعتَهَ ".
وقال عبدُ اللَّهِ بنُ حنيفٍ: قال رجلٌ لرابعةَ: إني أحبُّك في الله، قالتْ:
"فلا تَعْصِي الذي أحببْتَنِي له ".
وسئلَ ذو النونِ: متى أحبُّ ربي؟
قال: "إذا كان ما يبغِضُهُ عندك أمَرَّ من الصَّبر".
وقال بشر بن السري: " ليس من أعلامِ الحبِّ أن تحبَّ ما يبغِضُ".
وقال أبو يعقوب النهرجوري: "كلُّ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ ﷻ ولم
يوافقِ اللَّهَ في أمره، فدعواهُ باطلةٌ، وكلُّ محبٍّ ليسَ يخافُ اللَّهَ فهو
مغرورٌ".
وقال يحيى بن معاذٍ: "ليس بصادقٍ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ ولم يحفظْ
حدودَه".
وقال رويمٌ: "المحبةُ الموافقةُ في جميع الأحوالِ " وأنشد:
ولو قُلتَ لي مِتْ مِتُّ سمعًا وطاعةً. . . وقلتُ لداعِي الحقِّ أهلًا ومرحبًا
وقد تقدَّم أنَّ العبدَ لا يجدُ حلاوةَ الإيمانِ حتَّى يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا للَّه.
وحتى يكره أن يرجعَ إلى الكفرِ، كما يكرَهُ أن يُلقى في النَّارِ، ولهذا المعنى
كان الحبُّ في اللَّهِ والبغضُ في اللَّهِ من أصولِ الإيمانِ.
وخرَّج الترمذي من حديثِ معاذِ بنِ أنسٍ الجهنيِّ عنِ النبيِّ - ﷺ - قال:
"منْ أعْطى للَّه ومنَعَ للَّهِ، وأحبَّ للَّهِ، وأبْغَضَ للَّهِ، فقدْ استكْمَلَ إيمانَهُ "، وخرَّجه الإمامُ أحمد وزادَ فيه: "وأنكَحَ للَّهِ ".
وفي لفظٍ له أيضًا أن النبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عن
أفضلِ الإيمانِ قال: "أنْ تحبَّ للَّهِ وتبغِضَ للَّه وتعمَلَ لِسانَك في ذِكرِ اللَّه " وخرَّج أبو داود من حديثِ أبي أمامةَ عنِ النبيِّ - ﷺ - قال: "منْ أحبَّ للَّه وأبغضَ للهِ، وأعْطَى للَّه، ومنَعَ للَّهِ، فقدْ استكْمَلَ الإيمانَ ". ومن حديثِ أبي ذَرٍّ عن النبيِّ - ﷺ -
قال: "أفضَلُ الإيمانِ الحُبُّ في الله، والبُغْضُ في اللَّهِ ".
وخرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ عنِ النبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّ أوثقَ عُرى الإيمانِ أنْ تُحِبَّ في اللهِ وتبغضَ في اللَهِ "، ومن حديثِ عمرِو بنِ الجموح عنِ النبيِّ - ﷺ - قال:
"لا يجِدُ العبْدُ حقَّ صرِيح الإيمانِ حتَّى يُحبَّ للَّهِ ويبْغِضَ للَّه، فإذا أحدث للهِ، وأبْغَضَ للَّهِ فقدْ استحقَّ الولايَةَ منَ اللَّه وإن أوْليائِي منْ عبادي وأحبَّائِي منْ خلقِي يُذْكَرُون بذِكرِي وأُذكرُ بذكرِهِم".
وفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرة.
وروى ليثٌ عن مجاهدٍ عن ابنِ عباسٍ قال:
"منْ أحبَّ في اللَّهِ وأبغَضَ في اللَّهِ ووالَى في اللَّهِ وعادَى في اللَّه.
فإنَّما تنال ولايةُ اللَّهِ بذلك، ولن يجدَ عبد طعْمَ الإيمانِ وإنْ كثُرَتْ صلاتُهُ
وصومُهُ حتى يكون كذلك، وقد صارَتْ عامَّةُ مُؤاخاةِ النَّاسِ على أمْرِ الدنيا
وذلك لا يُجْدِي على أهلِهِ شيئًا".
خرَّجه ابنُ جريرٍ الطبريُّ.
وخرَّج أيضًا بإسنادِهِ عن ابنِ مسعودٍ، قال:
"من أحب للهِ وأبغضَ للَّه وأعْطى للَّه ومنعَ للَّهِ؛ فقدْ توسَّطَ الإيمان ".
وخرَّج الحاكم من حديثِ عائشةَ - ﵂ - عن النبيِّ
- ﷺ - قال: "الشرْكُ أخْفى من دبيبِ النَّملِ على الصَّفَا في الليْلَةِ الظَّلمَاءِ، وأدْناهُ أن
تحِبَّ على شيء من الجُورِ وتبغِضَ على شيء من العدْلِ، وهلِ الدِّينُ إلا الحبُّ في اللهِ والبُغْضُ في اللَّهِ " قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتمْ تحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ)، وقال: صحيحُ الإسنادِ وفيما قاله نظر.
ففي هذا الحديثِ أنَّ محبةَ ما يبغضهُ اللَّه وبغضَ ما يحبُّه اللَّه من الشرْكِ
الخفيِّ، وروينا من طريقِ الأصمعيِّ عن سفيانَ عن ليثٍ عن مجاهدٍ أنه قال
في قوله تعالى: (يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكونَ بِي شَيْئًا) قال:
"لا يحبُّون غيْرِي " وحينئذٍ فلا يكملُ التوحيدُ الواجبُ إلا بمحبةِ ما يحبُّه اللَّه وبغضِ ما يبغضه اللَّهُ، وكذلك لا يتمُّ الإيمانُ الواجبُ إلا بذلك.
ومن هنا يُعلمُ أنَّ الإخلال ببعضِ الواجباتِ وارتكابِ بعضِ المحرَّماتِ
ينقصُ به الإيمانُ الواجبُ بحسبِ ذلك، كما قال النبيُّ - ﷺ -: "لا يزنِي الزَّانِي حين يزنِي وهو مؤْمِنٌ " الحديث.
وروى الإمامُ أحمدُ مِنْ طريقِ الربيع بنِ أنسٍ عن أبي العاليةَ عن أبيِّ بنِ كعبٍ، قال: "منْ أصبَحَ وأكْبرُ همَه غيرُ اللَّه فليسَ منَ اللَّهِ "
وقد رُوي هذا مرفوعًا من حديثِ أنسٍ بأسانيدَ ضعيفةٍ.
فهذه الدرجةُ من محبةِ اللَّهِ فرضٌ واجبٌ على كلِّ مسلم وهي درجةُ
المقتصدينَ أصحابِ اليمينِ.
الدرجة الثانية: درجةُ السابقينَ المقربين، وهي أن ترتقي المحبةُ إلى ما يحبُّه
اللَّهُ من نوافلِ الطاعاتِ، وكراهةُ ما يكرهُه من دقائقِ المكروهاتِ، وإلى
الرِّضا بما يقدِّره ويقضِيه مما يؤلمُ النفوسَ من المصائبِ، وهذا فضلٌ مستحبٌّ
مندوبٌ إليه.
وفي "صحيح البخاريِّ " عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قال: "يقولُ اللَّهُ ﷿: منْ عَادَى لي وليًّا فقدْ آذنْتُهُ بالحربِ، ما تقرَّبَ إليَّ عبْدِي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افْترضتُ عليه، ولا يزالُ عبدِي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافلِ حتى أحبَّهُ، فإذا أحببْتُه كنْتُ سمْعَهُ الذي يسمعُ به، وبصرَه الذي يبصرُ به، ويدَه التي يبطشُ بها، ورِجْلَهُ التي يمشي بها، ولئن
سألنِي لأعْطينَّهُ، ولئن استعاذنِي لأعيذته، وما تردَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعلُهُ تردّدِي عن قبْضِ نفْسِ عبدِي المؤمنِ يكْرَهُ الموْتَ وأنا اكرَهُ مُساءَتَهُ ".
وقد روي هذا المعنى عن النبيِّ - ﷺ - من حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ - ﵁ - وابنِ عباسٍ - ﵄ -، وأبي أمامةَ
وعائشةَ - ﵂ -، بأسانيدَ فيها نظرٌ.
وذكر ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن سُهيلٍ أخي حزمٍ قال: بلَغَنِي عن عامرِ بنِ
عبدِ قيسٍ أنه كانَ يقول: "أحببتُ اللَّهَ ﷿ حبًا سهَّلَ علي كلَّ مصيبة
ورضَّاني بكلٍ قضية، فما أُبالي مع حُبِّي إيَّاهُ ما أصبحتُ عليه وما أمسيتُ ".
وقال إبراهيمُ بنُ الجنيدِ: حدثنا محمدُ بنُ الحسنِ حدثني عبيدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ
التميمي أن رجلًا قال لعابدٍ: أوصِنِي، أوعظْنِي، فقال:
"أىُّ الأعمالِ أغلبُ على قلبِكَ؟
فقال الرجلُ: واللَّهِ ما أجدُ شيئًا أنفع للمحبِّ عند حبيبِهِ من
المبالغةِ في محبَّتِهِ، وهلْ تَدْرِي ما ذلك؟ أن لا يعلمَ شيئًا فيه رضاهُ إلا أتاهُ.
ولا يعلمُ شيئًا فيه سخطُهُ إلا اجتَنَبَهُ، فعند ذلك ينزل المحبونَ من اللَّهِ منازلَ
المحبةِ، قال: فصرخَ العابدُ والسائلُ وسقطا".
وقد تبيَّنَ بما ذكرْنا أنَّ محبةَ اللَّهِ إذأ صدقتْ أوجبتْ محبةَ طاعتِهِ وامتثالَها.
وبغضَهُ معصيتَهُ واجتنابَها، وقد يقعُ المحمث أحيانًا في تفريطٍ في بعضِ
المأموراتِ وارتكابٍ لبعضِ المحظوراتِ، ثمَّ يرجعُ على نفسِهِ بالملامةِ، وينزعُ
عن ذلكَ ويتداركُه بالتوبةِ.
وفي "صحيح البخاريّ " أنَّ رجلًا كان يُؤتى به إلى النبيِّ - ﷺ - قد شربَ الخمرَ، فقال رجل: اللَّهُتمَ العَنْهُ، ما أكثرَ ما يؤتَى به، فقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:
"لا تَلعَنْهُ؛ فإنَّه يحبُّ اللَّهَ ورسولَهُ ".
وقد رُوي عن الشعبيِّ في قولِهِ ﷿: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَوَّابِينَ)
قال: "التَّائِبُ من الذنبِ كمنْ لا ذنْبَ له، وإذا أحبَّ اللَّهُ عبدًا لم
يضرَّه ذنْبُهُ ".
وعن عبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ أسلمَ قال: إنَّ اللَّه تعالى ليحبُّ
العبدَ حتى يبلغَ من حبِّهِ إذا أحبَّهُ أن يقولَ له: "اذْهَبْ فاعْمَل ما شئْتَ فقدْ
غفرْتُ لك ".
والمرادُ من هذا أنَّ اللَّهَ تعالى إذا أحبَّ عبدًا وقدَّر عليه بعضَ الذنوبِ فإنَّه
يُقدِّر له الخلاصَ منها بما يمحوها من توبةٍ أو عملٍ صالح أو مصائبَ مكفرةٍ.
كما في الحديثِ عنِ النبيِّ - ﷺ - قال:
"أذنَبَ عبدٌ ذنبًا فقال: أيْ ربِّي عمِلتُ ذنبًا فاغْفِرْ لي " فذكر الحديث إلى أن قال: "فليَعْمَلْ ما شاءَ". والمرادُ ما دامَ على هذا، كلما عمِلَ ذنبًا اعترفَ به وندمَ عليه واستغفرَ منه، فأمَّا مع الإصرارِ عليه فلا، وكذلك المحبةُ الصادقةُ الصحيحةُ تمنعُ من الإصرارِ على الذنوبِ،
وعدمِ الاستحياءِ من علاَّمِ الغيوبِ.
وما أحسنَ قولَ بعضِهِم:
تعصي الإلهَ وأنتَ تزعُمُ حُبَّه. . . هذا لَعمري في القياسِ شنيعُ
لو كان حُبُّكَ صادقًا لأطعتَهُ. . . إنَّ المحبَّ لمن يُحِبُّ مطيعُ
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)
[قالَ البخاريُّ]: "بابُ: دخولِ المشْرِكِ المسْجِدَ":
حدثنا كَتيبةُ: ثنا الليثُ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، أنَّه سمعَ أبا هريرةَ يقولُ: بعثَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بخيْلٍ قِبَلَ نَجْدٍ، فجاءتْ برجُل من بني حنيفةَ، يُقالُ له؛ ثُمامَة بنُ أُثالٍ، فربطوه بسارية من سوارِي المسجدِ.
قد سبقَ هذا الحديثُ بأتمَّ من هذا السياقِ في "بابِ: الأسير يُربطُ في
المسجدِ"، وفيه: أنَّ ثمامةَ حين رُبط كان مشركًا، وأنه إنما أسلمَ بعد
إطلاقهِ.
وفي هذا دليل على جوازِ إدخالِ المشركِ إلى المسجدِ، لكن بإذنِ المسلمينَ.
وقد أنزلَ النبيُّ - ﷺ - وفدَ ثقيفٍ في المسجدِ، ليكونَ أرقَّ لقلوبِهم.
خرَّجه أبو داود من روايةِ الحسنِ، عن عثمانَ بنِ أبي العاصِ.
وروى وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قالَ: إنَّ وفدًا قدِمُوا
على النبيِّ - ﷺ - منْ ثقيفٍ، فدخلُوا عليه المسجدَ، فقيلَ له: إنَّهم مُشْركون؟
قالَ: "الأرضُ لا ينجسها شيءٌ".
وخرَّجه أبو داودَ في "المراسيلِ " من روايةِ أشْعَث، عن الحسن، أنَّ وفْدَ
ثقيفٍ قدِمُوا على رسولِ اللَّهِ - ﷺ - فضرَبَ لهم قُبَّةً في مُؤخَّرِ المسجدِ، لينظرُوا إلى صلاةِ المسلمينَ، إلى ركُوعِهِم، وسجودِهِم، فقيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أتنزِلُهُمُ المسجدَ وهم مُشرِكُون؟
قالَ: "إنَّ الأرضَ لا تنْجُسُ، إنَّما ينجُسُ ابنُ آدمَ ".
وكذلك سائر وفودِ العربِ ونصارى نجرانِ، كلُّهم كانُوا يدخلونَ المسجدَ
إلى النبيِّ - ﷺ - ويجلسونَ فيه عندَه.
ولما قدِمَ مشركُو قريشٍ في فداءِ أُسارى بدرٍ كانوا يبيتون في المسجدِ
وقد روى ذلك الشافعيُّ بإسنادٍ له.
وقد خرَّج البخاريُّ حديثَ جبيرِ بنِ مُطْعِمٍ - وكان ممن قدِمَ في فداءِ
الأسارى - أنه سمعَ النبيَّ - ﷺ - يقرأُ في المغربِ بـ: "الطُّورِ"؛ قالَ: وكان ذلك أولَ ما وقرَ الإيمانُ في قلبِي.
وخرَّج البخاريُّ فيما سبقَ في "كتابِ: العلم " حديثَ دخول ضِمامِ بنِ
ثعلبةَ المسجدَ، وعقلِهِ بعيرَهُ فيه، وسؤالِهِ النبيَّ - ﷺ - عن الإسلامِ، ثم أسلْمَ عقبَ ذلكَ.
وروى أبو داود في "المراسيلِ " بإسنادِهِ عن الزهريِّ، قالَ: أخبرني سعيدُ
ابنُ المسيَّبِ، أنَّ أبا سفيانَ كان يدْخُلُ المسجدَ بالمدينةِ وهو كافر، غيرَ أنَّ ذلك لا يصلُحُ في المسجدِ الحرامِ، لما قال اللَّهُ ﷿: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) .
وقد اختلفَ أهلُ العلم في ذلكَ:
فرَخَّصَ طائفةٌ منهم في دخولِ الكافرِ المسجد، وهو قولُ أبي حنيفةَ
والشافعيِّ، وحُكيَ روايةً عن أحمدَ، رجَّحها طائفة من أصحابِنا.
قال أصحابُ الشافعيِّ: وليسَ له أن يدخلَ المسجدَ إلا بإذنِ المسلمِ ووافقَهُم
طائفة من أصحابِنا على ذلكَ.
وقال بعضُهم: لا يجوزُ للمسلم أن يأذنَ فيه إلا لمصلحةٍ من سماع قرآنٍ.
أو رجاء إسلامٍ، أو إصلاح شيءٍ ونحوِ ذلك، فأمَّا لمجردِ الأكلِ واللُّبْثِ
والاستراحةِ فلا.
ومن أصحابِنا: من أطلقَ الجوازَ، ولم يقيدْهُ بإذنِ المسلم.
وهذا كلُّه في مساجدِ الحلِّ، فأمَّا المسجدُ الحرامُ فلا يجوزُ للمسلمينَ الإذنَ
في دخولِهِ للكافرِ، بل لا يمكَّنُ الكافرُ من دخولِ الحرمِ بالكليَّة عند الشافعيِّ
وأحمدَ وأصحابِهِما.
واستدلُّوا بقولِ اللَّه تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)، وكانَ النبيُّ - ﷺ - أمرَ منادِيًا يُنادِي: "لا يحُجُ بعْدَ العام مُشْرِك".
وأجازَه أبو حنيفةَ وأصحابُهُ.
فأمَّا مسجدُ المدينةِ، فالمشهورُ عندنا وعند الشافعية أن حُكْمَهُ حكم مساجد
الحِلِّ.
ولأصحابِنا وَجْه: أنه مُلْحَقٌ بالمسجدِ الحرامِ؛ لأنَّ المدينةَ حَرَم، وحُكي عن
ابنِ حامدٍ، وقاله القاضي أبو يعْلى في بعضِ كتبِهِ.
وهذا بعيدٌ، فإنَّ الأحاديث الدالةُ على الجوازِ إنما وردت في مسجدِ المدينةِ
بخصوصِهِ، فكيفَ يمنع منه ويخصُّ الجوازُ بغيره؟
وقالتْ طائفةٌ: لا يجوزُ تمكينُ الكافرِ من دخولِ المساجدِ بحالٍ، وهذا هو
المرويُّ عن الصحابةِ، منهم: عمرُ، وعليٌّ، وأبو موسى الأشعريُّ، وعن عمرَ ابنِ عبدِ العزيزِ، وهو قولُ مالكٍ، والمنصوصُ عن أحمدَ، قال: لا يدخلونَ المسجدَ ولا ينبغي لهم أن يدخلُوهُم.
واستدلُّوا بقولِ اللَّهِ تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ) .
وظاهرُهُ: يدلُّ على أنَّ الكفارَ لا يُمكنونَ من دخولِ المساجدِ، فإنْ دخلوا
أُخيفُوا وعُوقِبوا، فيكونونَ في حالِ دخولِهِم خائفينَ من عقوبةِ المسلمينَ لَهُم.
وقد رُوي عن عليٍّ، أنَه كان على المنبرِ فبَصُرَ بمجوسي، فنزل وضربَه
وأخرَّجَه.
خرَّجه الأثْرَمُ.
وعلى هذا القولِ، فأحاديثُ الرخصةِ قد تُحمَلُ على أنَّ ذلك قبلَ
النهي عنه، أو أنَّ ذلك كانَ جائزًا حيث كان يحتاجُ إلى تألفِ قلوبِهِم،
وقد زالَ ذلكَ.
وفرَّقتْ طائفةٌ بين أهلِ الذِّمةِ وأهلِ الحربِ، فقالُوا: يجوزُ إدخالُ أهلِ
الذِّمَّةِ دونَ أهلِ الحربِ، ورُوي عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وقتادةَ.
وروى عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ جُريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرَ
بنَ عبدِ اللَّه يقولُ في قولِه تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْربوا الْمَسْجِدَ
الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)، قال: إلا أن يكون عبْدًا أو أحدًا من أهلِ
الذَّمَّة.
وقَد رُويَ مرفوعًا من روايةِ شريكٍ: ثنا أشعثُ بن سوَّار، عن الحسن، عن
جابرٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:
"لا يدخلْ مسجدَنا هذا مشركٌ بعدَّ عَامِنَا هذا، غَّيَر أهلِ الكتابِ وخدمِهِم ".
خرَّجه الإمامُ أحمد.
وفي روايةٍ له: "غيرَ أهلِ العهدِ وخدمِهِم ".
وأشعثُ بنُ سوَّار، ضعيفُ الحديثِ.
وقد خصَّ بعضُ أصحابِنا حكايةَ الخلافِ المحكي عن أحمدَ فى المسألة
بأهلِ الذِّمَّةِ.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)
وفي الحديثِ المشهورِ عن ثوبانَ أنَّه قال: لمَّا نزلتْ هذه الآية ُ: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ)، فقال النبيُّ - ﷺ -:
"تبًّا للذهبِ والفضةِ".
قالُوا: يا رسول اللَّهِ، فما نتخذُ؟
قال: "ليتخذْ أحدُكم قلبًا شاكرًا، ولسانِا ذاكرًا.
وزوجة صالحةً تُعين أحدَكُم على إيمانِهِ ".
قالَ بعضُهم: إئما سُمِّيَ الذهبُ ذهبًا، لأنه يذهبُ، وسمِّيت الفضةُ فضةً
لأنها تنفضُّ، يعني تنفضُّ بسرعةٍ، فلا بقاءَ لهُمَا، فمن كنزَهُما فقد أرأدَ بقاءَ
ما لا بقاءَ له، فإن نفعَهُما ما هو إلا بإنفاقهما في وجوهِ البِر وسبلِ الخيرِ.
وقال الحسنُ: بئسَ الرفيقُ الدرهمُ والدينارُ؛ لا ينفعانِكَ حتَّى يفارقانِكَ.
فما داما مكنوزينِ فما يضرانِ ولا ينفعانِ، وإنَّما نفعُهُما بإنفاقِهِما في
الطاعاتِ، قال اللَّهُ تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، والآيةُ ذمٌّ ووعيدٌ لمنْ يمنعُ حقوقَ مالِهِ
الواجبةِ من الزكاةِ وصلةِ الرَّحم وقِرى الضيفِ والإنفاقِ في النوائبِ.
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قال:
"ما من صَاحِبِ ذهبٍ ولا فضةٍ لا يؤدِّى مِنْها حقَّها إلا إذا كان يومُ القيامة صُفِّحت له صفائحُ من نارٍ فأحمي عليها في نارِ جهنَّم، فيكوى بها جنبُه وجبينُهُ وظهرُه، كلما برَدَتْ أعيدت له، في يومٍ كان مقدارُهُ خمسين ألف سنةٍ، حتى يقضى بين العبادِ، فيرى سبيلَهُ إمَّا إلى الجنةِ وإمَّا إلى النارِ".
وفي "صحيح البخاريِّ " عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "من آتاهُ اللهُ مالًا فلم يُؤدِّ زكاتَهُ مُثلَ له يومَ القيامةِ شجاعًا أقرعَ له زبيبتان يُطوَّقه يومَ القيامة ثم يأخذُ بلهزمتيه، يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالُكَ، أنا كنزك " ثم تلا: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
وفيه أيضًا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:
"يكون كنزُ أحدكم يومَ القيامة شجاعًا أقرع يفرُّ منه يومَ القيامةِ، ويطلبُهُ، ويقول: أنا كنزُكَ، فلا يزالُ يطلبُة حتى يبسطَ يدَهُ فيُلقمها فاه ".
وفي "صحيح مسلم " عن جابرٍ عن النبيِّ - ﷺ - قال: "ما من صاحبِ كنز لا يفعلُ فيه حقَّهُ إلا جاءَ كنزهُ يومَ القيامةِ شجاعًا أقرعَ يتبعُهُ فاتحًا فاهُ، فإذا أتاهُ فرَّ منهَ، فيناديِه: خُذْ كنزَكَ الذي خبَّأتَهُ فأنا عنه غني، فإذا رأى أن لا بدَّ له منه سلكَ يدَهُ في فيه فيقضمها قضمَ الفحْلِ ".
والشجاعُ: الحيَّةُ الذكرُ، والأقرعُ: الذي قد تمعَّطَ شعر
فروةِ رأسِهِ لكثرةِ سمِّهِ.
فلهذا وردَ الشرعُ باكتنازِ ما يبقى نفعُهُ بعد الموتِ من الإيمانِ والأعمالِ
الصالحةِ والكلماتِ الطيبةِ، فإنَّ نفعَ ذلك يبقَى وبه يحصلُ الغنى الأكبرُ، قال
ابنُ مسعودٍ: نعمَ كنزُ الصعلوكِ سورةُ آل عمرانَ يقومُ بها من آخرِ الليلِ.
وآخرُ سورةِ البقرةِ من كنزٍ تحتَ العرشِ أعطيتْه هذه الأمَّةُ مع سورة الفاتحةِ.
ولا حول ولا قوَّة إلا باللَّه كنزٌ من كنوزِ الجنةِ.
وفي بعضِ الآثارِ الإسرائيليةِ: كنزُ المؤمنِ ربُه، يعني أنه لا يكنزُ سوى
طاعتِهِ وخشيتِهِ ومحبتِهِ والتقربِ إليهِ، فمن كانَ كنزُهُ ربَّه وجدَهُ وقتَ حاجتِهِ
إليه، كما في وصيةِ النبيِّ - ﷺ - لابنِ عباسٍ:
"احفظ اللَّهَ يحفَظك، احفظِ اللهَ تجدْهُ أمامَك، تعرَّف إلى اللهِ في الرَّخاء يعرفكَ في الشِّدةِ".
أنت كنزي، أنت ذخري، أنت عزِّي، كيف أخشى الفقرَ إذا كنتَ أمني
عند فقرِي، من كانَ اللَّهُ كنزَه فقد ظفرَ بالغنِى الأكبرِ.
قال بعضُ العارفينَ:
من استغْنَى باللَّهِ أمِنَ من العدمِ. . . ومن لَزِمَ البابَ أُثْبِتَ في الخَدَمِ
ومن أكثرَ ذكر الموتِ أكثرَ من الندمِ. . . تنقَضِي الدُّنيا والفتى فيها معنَّا
ليسَ في الدنيا نعيمٌ ولا عيشٌ مهنَّا. . . يا غنيًّا بالدنانيرِ فحبُّ اللَّهِ أغنى
* * *
قال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)
قال عليٌّ بنُ أبي طلحة عن ابنِ عباسٍ في هذهِ الآيةِ: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)
في كلِّهنَّ، ثم اختصَّ مِنْ ذلك أربعةَ أشهُر، فجعلهنَّ
حرمًا، وعظَّمَ حُرماتهن، وجعل الذنبَ فيهنَّ أعظمَ، والعملَ الصالحَ والأجرَ
أعظم.
وقال قتادةُ في هذه الآية: اعلمُوا أن الظلمَ في الأشهرِ الحُرُم أعظمُ خطيئةً
ووزرًا فيما سوى ذلك، وإن كان الظلمُ في كلّ حال غيرَ طائل، ولكنَّ اللَّهَ
تعالى يُعظِّم من أمرِهِ، ما يشاءُ ربُّنا تعالى.
وقد رُوي في حديثينِ مرفوعينِ أن السيئات تُضاعفُ في رمضانَ، ولكن
إسنادهُما لا يصحُّ.
* * *
خرَّجا في "الصحيحينِ " من حديث أبي بكرةَ أن النبيَّ - ﷺ - خطبَ في حجَّةِ الوداع، فقالَ في خطبته:
"إن الزمانَ قد اسْتَدارَ كهيئتِهِ يومَ خلقَ اللَّه السماواتِ والأرضِ، السنةُ اثنا عشرَ شهرًا، منها أربعة حرمٌ: ثلاثةٌ متوالياتٌ: ذو القعْدةِ
وذو الحجَّةِ، والمحرَّمُ، ورجَبُ مُضَرَ الذي بين جُمادى وشعبانَ "
وذكر الحديثَ.
قال اللَّهُ ﷿: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) .
فأخبر سبحانه أنَّه مُنذُ خلقَ السماواتِ والأرضَ وخلقَ الليلَ والنَّهارَ
يدُورانِ في الفلكَ وخلقَ ما في السماءِ من الشَّمسِ والقمرِ والنُّجومِ، وجعلَ
الشَّمسَ والقمر يسبحان في الفلك، فينشأ منهما ظلمةُ اللَّيلِ وبياضُ النهارِ.
فمن حينئذٍ جعلَ السَّنة اثنى عشر شهرًا بحسبِ الهلالِ.
فالسنةُ في الشرع مُقدَّرةٌ بسيرِ القمرِ وطلوعِهِ، لا بسيرِ الشمسِ وانتقالها.
كما يفعلُه أهلُ الكتابِ.
وجعلَ اللَّهُ تعالى من هذهِ الأشهرِ أربعةَ أشهرٍ حُرُمًا، وقد فسَّرَها النبيُّ
- ﷺ - في هذا الحديث، وذكرَ أنَّها ثلاثة متوالياتٌ، ذو القعدةِ، وذو الحجَّةِ، والمُحرَّمُ، وواحد فرد، وهو شهرُ رجبٍ.
وهذا قد يستدلُّ به من يقولُ: إنها من سنتين، وقد رُوي من حديثِ ابنِ
عمرَ مرفوعًا: "أولُهُن رجبٌ "، وفي إسنادِهِ موسى بن عُبيدةَ، وفيه ضعفٌ
شديد من قِبلِ حفْظِهِ، وقد حكيَ عن أهلِ المدينةِ أنهم جعلوها من سنتين.
وأن أوَّلها ذو القعدةِ، ثم ذو الحجَّةِ، ثم المحرَّمُ، ثم رجب، فيكونُ رجب
آخرَها.
وعن بعضِ المدنيينَ أنَّ أوَّلها رجب، ثم ذو القعدةِ، ثم ذو الحجَّةِ ثم
المُحرَّمُ.
وعن بعضِ أهلِ الكوفةِ أنها من سنةٍ واحدة، أولها المحرَّمُ، ثم
رجبٌ، ثم ذو القعدة، ثم ذو الحِجَّةِ.
واختُلِفَ في أيِّ هذه الأشهر الحرُم أفضلُ، فقيل: رجب، قاله بعض الشافعيةِ، وضعَّفَه النوويُّ وغيره.
وقيل: المُحَرَّمُ، قاله الحسنُ، ورجَّحَه النوويُّ.
وقيل: ذو الحِجَّة، رُوي عن سعيدِ بنِ جبيرٍ وغيره، وهو أظهرُ، واللَّهُ أعلمُ.
وقوله - ﷺ -: "إنَّ الزَّمان استدَارَ كهيئِتِه يوم خلقَ اللَّه السمواتِ والأرضَ، السَّنةُ اثنا عشرَ شهرًا"
مُرادُهُ بذلك إبطالُ ما كانتِ الجاهليةُ تفعلُه من النَّسيء، كما قال
تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ) .
وقد اختُلِفَ في تفسيرِ النَّسيء، فقالت طائفة: كانوا يُبدلُون بعضَ
الأشهرِ الحُرُم بغيرِها من الأشهرِ، فيحرِّمُونها بدلها، ويحلُّون ما أرادوا تحليلَه
من الأشهرِ الحُرُم إذا احْتاجُوا إلى ذلك، ولكن لا يزيدونَ في عددِ الأشهر
الهلالية شيئًا.
ثم من أهلِ هذه المقالةِ من قال: كانوا يُحلُّون المُحرَّمَ فيستحلون
القتالَ فيه؛ لطول مدَّة التَّحريم عليهم بتوالي ثلاثةِ أشهرٍ مُحرَّمةٍ، ثم يحرِّمونَ
صفَرًا مكانَهُ، فكأنَهم يقترضونَه ثم يوفونَه، ومنهم من قال: كانوا يحلُّون
المُحرَّمَ مع صَفَرٍ من عامٍ ويُسمُّونَهما صفَرينِ، ثم يحرِّمُونهما مم عام قابل
ويسمُّونهما محرَّمين قاله ابن زيدِ بنِ أسلمَ.
وقيل: بل كانوا رُبَّما احْتاجُوا إلى صفَرَ أيضًا فأحلُّوه وجعَلُوا مكانَه ربيعًا.
ثم يدورُ كذلك التَّحريمُ والتَّحليلُ والتأخيرُ، إلى أن جاء الإسلامُ ووافَقَ حجَّةَ
الوداع، صارَ رجوعُ التَّحريمِ إلى مُحرَّم الحقيقيّ، وهذا هو الذي رجَّحه
أبو عُبيد، وعلى هذا فالتَّغييرُ إنَّما وقع في عيْنِ الأشهُر الحُرُمِ خاصةً.
وقالت طائفةٌ أخرى: بلْ كانوا يزيدونَ في عددِ شهورِ السنة، وظاهرُ الآية يُشعر بذلك، حيث قال اللَّه تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا)، فذكرَ هذا توطئةً لهَدْمِ النَّسيءِ وإبطالهِ.
ثم مِنْ هؤلاءِ من قال: كانوا يجعلُون السنة ثلاثةَ عشرَ شهرًا، قاله مجاهدٌ
وأبو مالكٍ، قال أبو مالكٍ: كانوا يجعلون السنةَ ثلاثةَ عشرَ شهرًا، ويجعلونَ
المُحرَّمَ صَفَرًا.
وقال مجاهدٌ: كانوا يُسقطون المُحرَّمَ، ثم يقولون: صَفَرينِ.
لصفرَ وربيع الأوَّلِ وربيع الآخر، ثم يقولونَ: شهرا ربيع، ثم يقولون:
لرمضان: شعبانُ، ولشوال: رمضانُ، ولذي القعْدةِ: شوالٌ، ولذيَ الحجَّةِ:
ذو القعْدة، على وجهِ ما ابتدأوا وللمحرَّمِ: ذو الحجَّةِ، فيعدونَ ما ناسؤوا
على مستقبلهِ، على وجه ما ابتدأوا.
وعنه، قال: كانتِ الجاهليةُ يحجُّون في كلِّ شهرٍ من شهورِ السنةِ عامينِ.
فوافَقَ حِجُّ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - في ذي الحِجَّةِ، فقال: "هذا يومٌ اسْتدارَ الزَّمانُ كهيئِتِه يومَ خلقَ اللَّهُ السماواتِ والأرص ".
ومن هؤلاء من قالَ: كانتِ الجاهليةُ يجعلونَ الشهورَ اثنى عشر شهرًا
وخمسةَ أيامٍ، قالهُ إياسُ بنُ معاويةَ، وهذا العددُ قريبٌ من عددِ السنةِ
الرومية" ولهذا جاء في مراسيلِ عكرمة بنِ خالدِ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال في خُطبتِهِ يومَ النحر: "والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وخنَسَ إبهامَه في الثالثةِ، وهكذا وهكذا، وهكذا"
يعني: ثلاثينَ، فأشارَ إلى أن الشَّهرَ هلاليٌّ.
ثم تارةً ينقُصُ وتارةً يتمُّ، ولعلَّ أهلَ النَّسِيء كانُوا يُتِمُّونَ الشهورَ كلَّها.
ويزيدونَ عليْهَا، واللَّه أعلم.
وقد قيل: إنَّ ربيعةَ ومضَرَ كانوا يُحرِّمون أربعة أشهرٍ من السنةِ مع
اختلافِهِم في تعيينِ رجبٍ منها، كما سنذكرُهُ إن شاء اللَّهُ تعالى.
وكانت بنُو عوْفِ بنِ لُؤيٍّ يحرِّمون من السنةِ ثمانيةَ أشهرٍ، وهذا مبالغة في الزيادة على ما حرَّمه اللَّهُ.
واختلفُوا في أيِّ عامٍ عاد الحجُّ إلى ذي الحجةِ على وجهِهِ، واستدارَ الزَّمانُ
فيه كهيئتِهِ، فقالت طائفة: إنَّما عادَ على وجهه في حجَّةِ الوداع، وأما حجةُ
أبي بكر الصديقِ - ﵁ -، فكانت قد وقعت في ذي القعدةِ.
هذا قولُ مجاهدٍ وعكرمةَ بن خالد وغيرهِما.
وقيل: إنَّه اجْتَمَعَ في ذلك العامِ حجُّ الأممِ كلِّها
في وقتٍ واحدٍ، فلذلك سُمِّيَ يومَ الحجِّ الأكبرِ.
وقالتْ طائفةٌ: بل وقعَتْ حجَّةُ الصِّدِّيقِ في ذي الحجةِ، قالهُ الإمامُ أحمدُ.
وأنكرَ قولَ مجاهدٍ، واستدلَّ بأنَّ النبيَّ - ﷺ - أمرَ عليًّا فنادى يوم النَّحْرِ: "لا يحجّ بعد العامِ مشرِك"
وفي روايةٍ: "واليومُ يومُ الحَجِّ الأكبرِ" وقد قالَ اللَّهُ تعالى:
(وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ)، فسمَّاهُ يومَ الحجِّ الأكبرِ، وهذا يدُلُّ على أنَّ النِّداءَ وقَعَ في ذي الحجَةِ.
وخرَّج الطبراني في "أوسطِه " من حديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه.
عن جدِّه قال: كان العربُ يُحِلُّون عامًا شهرًا، وعامًا شهرين، ولا يُصيبون
الحجَّ إلا في كلِّ ستةٍ وعشرين سنة مرةً واحدةً، وهو النَّسيءُ الذي ذكرَهُ اللَّهُ
في كتابه، فلما كان عام حَجَّ أبو بكر الصديقُ بالناس، وافَقَ في ذلك العامِ
الحجَّ، فسمَّاه اللَّهُ يوم الحج الأكبر.
ثم حجَّ النبيُّ - ﷺ - في العامِ المُقْبلِ، فاستقبَلَ النَّاسُ الأهلَّةَ، فقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:
"إنَّ الزمانَ قد اسْتدارَ كهيئتِهِ يومَ خلقَ الله السماوات والأرضَ "
وقيل: بل اسْتدارَةُ الزَّمانِ كهيئتِهِ كانَ من عام الفتح.
وخرَّج البزارُ في "مسندهِ " من حديث سُمرةَ بن جُنْدَب أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ -
قال: لهم يومَ الفتح: "إنَّ هذا العامَ الحجُّ الأكبرُ، قد اجتمعَ حجُّ المسلمينَ وحجُّ المشركينَ في ثلاثةِ أيامٍ متتابعاب، واجتمَعَ حجُّ اليهودِ والنَّصارى في ستَّةِ أيام متتابعاتٍ.
ولم يجتمع منذُ خلقَ اللَّه السماواتِ والأرضَ، ولا يجتمعُ بعدَ العامِ حتَّى تقومَ
السَّاعة ".
وفَي إسنادِهِ يوسف السَّمْتِي، وهو ضعيف جدًّا، واختلفُوا لم سُميتْ هذه
الأشهر الأربعةُ حُرُمًا؟.
فقيل: لعظم حُرمتِها وحُرمة الذَّنْبِ فيها.
قال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباس: اختصَّ اللَّهُ أربعةَ أشهر جعلهُنَّ
حُرمًا، وعظَّمَ حُرماتهنَّ، وجعل الذَّنْبَ فيهن أعظمَ، وجعلَ العملَ الصالحَ
والأجر أعظم.
قال كعبٌ: اختارَ اللَّهُ الزمان، فأحبُّهُ إلى اللَّه الأشهر الحُرُمُ.
وقد رُوي مرفوعًا، ولا يصحُّ رفعُهُ.
وقد قيلَ في قولِهِ تعالى: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفسَكمْ): إنَّ المرادَ
في الأشهرِ الحُرمِ، وقيل: بل في جميع شُهورِ السنةِ.
وقيل: إنَّما سُمِّيتْ حُرُمًا لتحريمِ القتالِ فيها.
وكان ذلك معروفًا في الجاهليةِ.
وقيلَ: إنَّه كان في عهدِ إبراهيمَ - ﵇ -، وقيلَ: إنَّ سبب تحريمِ هذه الأشهرِ الأربعةِ بينَ العربِ لأجلِ التمكُّن منَ الحجِّ والعُمْرةِ، فحُرِّمَ شهرُ ذي الحجَّةِ، لوقوع الحجِّ فيه، وحُرِّم معه شهرُ ذي القعدة، للسَّيْرِ فيه إلى الحجِّ. وشهر المحرم، للرجوع فيه من الحجِّ، حتى يأمَنَ الحاجُّ على نفسِهِ من حين يخرجُ من بيتِهِ إلى أن يرجعَ إليه.
وحُرِّمَ شهرُ رجب، للاعتمارِ فيه في وسطِ السًّنةِ، فيعتمِرُ
فيه مَنْ كان قريبًا من مكّةَ.
وقد شرع اللهُ في أولِ الإسلامِ تحريمَ القتالِ في الشهرِ الحرام، قالَ تعالَى:
(لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) .
وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) .
وخرَّجَ ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن جُنْدُبِ بنِ عبدِ اللَّهِ أنَّ النبيَّ - ﷺ - بعثَ رهطَا وبعثَ عليهم عبدَ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ، فلقوا ابنَ الحضْرمِيِّ فقتلوه، ولم يدْرُوا أنَّ ذلك من رجبٍ أو من جُمادى، فقال المشركونَ للمسلمينَ.
قتلتُم في الشهرِ الحرامِ، فأنزلَ اللَّهُ ﷿: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كبِيرٌ) الآية.
وروى السُّدِّيُّ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالح، عن ابنِ عباسٍ، وعن
مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ في هذه الآيةِ، فذكروا هذه القصةَ مبسوطةً، وقالُوا
فيها: فقال المشركونَ: يزعمُ محمدٌ يتبعُ طاعةَ اللَّهِ وهو أوَّلُ مَن استحلَّ
الشهرَ الحرامَ، فقال المسلمونَ: إنَّما قتلناه في جُمَادى.
وقيلَ: في أولِ رجبٍ وآخِرِ ليلةٍ من جُمَادى، وغَمَدَ المسلمونَ سيوفَهم
حين دخل شهرُ رجبٍ، وأنزلَ اللَّهُ تعالى تعييرًا لأهلِ مكَّةَ:
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ)
لا يحلُّ، وما صنعتم أنتم يا معشرَ المشركينَ أكبرُ من القتْلِ في الشَّهرِ الحرامِ، حين كفرتم باللَّه، وصددْتُم عن محمَّدٍ وأصحابِهِ، وإخراج أهلِ المسجدِ الحرامِ حينَ أخْرَجُوا منه محمدًا - ﷺ - أكبرُ منَ القتلِ عندَ اللهِ.
وقد رُوي عن ابنِ عباسٍ هذا المعنى من روايةِ العوفيِّ عنه، ومن روايةِ
أبي سعد البقالِ، عن عكرمةَ، عنه.
ومن روايةِ الكلبيِّ، عن أبي صالح، عنه.
وذكر ابنُ إسحاقَ أنَّ ذلك كان في آخر يوم من رجبٍ، وأنَّهم خافوا إنْ
أخَّرُوا القتالَ أن يسبقَهم المشركونَ فيدخلوا الحرَمَ فيأمَنُوا.
وأنَّهم لمَّا قدِمُوا على النبيِّ - ﷺ - قال لهم:
"ما أمرتُكُم بالقتالِ في الشهرِ الحرامِ، ولم يأخذْ من غنيمتهم شيئًا"
وقالتْ قريشٌ: قد استحلَّ محمدٌ وأصحابُهُ الشهرَ
الحرامَ، فقال مَنْ بمكَّةَ من المسلمينَ: إنَما قتلُوهم في شعبانَ.
فلمَّا أكثرَ الناسُ في ذلك نزلَ قولُهُ تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) الآية.
ورُوي نحوُ هذا السياقِ عن عروةَ، والزُّهري وغيرِهما.
وقيلَ: إنَّها كانت أولَ غنيمةٍ غممَها المسلمونَ، وقال عبدُ اللَّهِ بن جحشٍ في ذلك، وقيل: إنَّها لأبي بكرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ -.
تعُدُّونَ قتلًا في الحرامِ عظيمةً. . . وأعْظمُ منه لو يَرى الرشُدَ راشِدُ
صدودُكُمُ عمَّا يقولُ محمدٌ. . . وكُفْرٌ به واللَّه راءٍ وشاهدُ
وإخْراجُكُم من مسجدِ اللَّهِ أهلَهُ. . . لِئلاَّ يُرَى للَّهِ في البيْتِ ساجِدُ
في أبياتٍ أخرَ.
وقد اختلفَ العلماء في حكم القتالِ في الأشهرِ الحُرُمِ، هل تحريمُهُ باقٍ أمْ
نُسِخَ؟
فالجمهورُ على أنَّه نُسِخَ تحريمُهُ، ونصَّ على نسخِهِ الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ
من الأئمةِ.
وذهب طائفةٌ من السَّلَفِ، منهم عطاءٌ، إلى بقاءِ تحريمِهِ، ورجَّحه
بعضُ المتأخرين واستدلُّوا بآية المائدةِ.
والمائدةُ من آخرِ ما نزلَ من القرآنِ،
وقد رُوِي: "أحِلُّوا حلاَلَها وحرِّمُوا حرامَهَا ".
وقيل: ليس فيها منسوخ. وفي "المسندِ" أنَّ عائشةَ - ﵂ -، قالتْ: "هي آخرُ سورةٍ نزلتْ، فما وجدتُم فيها من حلالٍ فاسْتحِلُّوه، وما وجدتم فيها من حرامٍ فحرمُوه "
وروى الإمامُ أحمدُ في "مسندهِ ": حدثنا إسحاقُ بن عيسى.
حدثنا ليثُ بنُ سعدٍ، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، قال: لم يكن رسولُ اللَّهِ
- ﷺ - يَغْزُو في الشَّهرِ الحرامِ إلا أنْ يُغْزَى ويَغزو فإذا حضرَهُ أقامَ حتَّى ينسلخَ.
وذكر بعضُهم أنَّ النبيَّ - ﷺ - حاصرَ الطائفَ في شوَّالٍ، فلمَّا دخلَ ذو القعدةِ لم يُقاتِلْ، بل صابرَهُم، ثم رجعَ.
وكذلك في عمرةِ الحديبية لم يُقاتِلْ، حتّى بلغه أنَّ عثمانَ قُتِلَ، فبايَعَ على القتالِ، ثم لمَّا بلغَه أنَّ ذلك لا حقيقةَ له كفَّ.
واستدلَّ الجمهورُ بأن الصحابةَ اشتغلُوا بعدَ النبي - ﷺ - بفتح البلادِ، ومواصلةِ القتالِ والجهادِ، ولم يُنقل عن أحدٍ منهم أنَّه توقَّف عن
القتالِ، وهو طالبٌ له في شيءٍ من الأشهرِ الحُرُم، وهذا يدُلُّ على اجتماعهم
على نسخ ذلك، واللَّهُ أعلمُ.
ومن عجائب الأشهرِ الحُرُمِ ما رُوي عن عبدِ اللَّهِ بن عمرِو بن العاصِ: أنَّه
ذكر عجائبَ الدنيا، فعدَّ منها بأرضِ عادٍ عمودَ نُحاسٍ، عليه شجرةٌ من
نحاسٍ، فإذا كان في الأشهرِ الحُرُم قطرَ منها الماءُ، فملؤوا منه حياضَهم.
وسَقَوْا مواشيهم وزروعَهم، فإذا ذهب الأشهرُ الحرمُ انقطَعَ الماءُ.
وقولُهُ - ﷺ -: "ورجبُ مُضَر" سُمِّي رجبٌ رجبًا، لأنه كان يُرجَّبُ، أي يُعظَّمُ، كذا قال الأصمعي، والمفضَّلُ، والفرَّاءُ، وقيلَ: لأنَّ الملائكةَ تترجَّب
للتسبيح والتَّحميدِ فيه، وفي ذلك حديثٌ مرفوعٌ إلا أنه موضوع.
وأما إضافتُه إلى "مُضَر"، فقيل: لأنَّ مُضَرَ كانت تزيدُ في تعظيمِهِ
واحترامِهِ، فنُسبَ إليهم لذلك. وقيل: بل كانت ربيعةُ تُحرِّمُ رمضانَ، وتُحرِّمُ مُضَرُ رجبًا، فلذلك سمَّاه رجبَ مُضَرَ، وحقَّق ذلك بقوله: "الذي بين جُمادى وشعبان ".
وذكر بعضُهم أنَّ لشهر رجبٍ أربعةَ عشرَ اسمًا: شهرُ اللَّهِ، ورجبٌ.
ورجبُ مُضَر، ومُنْصِلُ الأسِنَّةِ، والأصمُّ، والأصبُّ، ومُنَفّسٌ، ومُطَهِّرٌ.
ومُعَلَّى، ومقيمٌ، وهرم، ومُقشقشٌ، ومُبرّئٌ، وفرْدٌ، وذكر غيرُه أنَّ له سبعة عشر اسمًا، فزادَ "رجم " بالميم، ومُنْصِل الألَّة، وهي الحربة، ومنزعُ
الأسنَّة.
* * *