روائع التفسير — ابن رجب الحنبلي
مُّحَمَّدٌۭ رَّسُولُ ٱللَّهِ ۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَىٰهُمْ رُكَّعًۭا سُجَّدًۭا يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًۭا ۖ سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةًۭ وَأَجْرًا عَظِيمًۢا ﴿٢٩﴾
قوله تعالِ: (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ)
إن الزرعَ وإنْ كانَ له طاقةً منه ضعيفةٌ ضئيلةٌ إلا أنه يتقوَّى بما يخرجُ معه
وحولَهُ ويعتضدُ به، بخلافِ الشجرةِ العظامِ فإنَّ بعضَها لا يشدُّ بعضًا.
وقد ضربَ اللَّهُ تعالى مثلَ النبي - ﷺ - وأصحابِهِ بالزرع لهِذا المعنى قال:
(وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) .
قوله: (أَخْرَجَ شَطْأَهُ) أي: فِرَاخَهُ.
(فَآزَرَهُ) أي: ساواه وصارَ مثلَ الأمِّ وقوي به.
(فَاسْتَغْلَظَ) أي: غَلُظَ.
فالزرعُ مثلُ النبيِّ - ﷺ - إذ خرجَ وحدهُ فأمدَّه بأصحابِهِ وهُم شطأ الزرع كما قَوَّى الطاقةَ من الزرع بما نَبَتَ منها حتَى غلظتْ واستحكمتْ.
(فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ): جمعُ ساق.
وفي الإنجيلِ: " سيَخرُجُ قوْم يَنْبُتُونَ نَباتَ الزَّرع ".
وقد قالَ ﷿: الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) .
وقال: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّنْ بَعْضٍ) .
فالمؤمنونَ بينَهُم ولاية وهي مودةٌ ومحبة باطنةٌ.
ثم قالَ: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) .
لأن المؤمنينَ قلوبُهم على قلبِ رجلٍ واحدٍ فيما يعتقدونَهُ من الإيمانِ وأما
المنافقونَ فقلوبُهم مختلفة.
كما قالَ: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شتَّى) .
فأهواؤُهُم مختلفةٌ.. إلخ. ولا ولايةَ بينَهُم في الباطنِ وإنَّما بعضُهم من
جنس بعض في الكفر والنفاقِ.
وفي "الصحيحينِ " عن النبيِّ - ﷺ -:
"المؤمِنُ للمُؤْمِنِ كالبُنيان يَشُدُّ بعضُهُ بعضا"
وشبَّكَ بينَ أصابعِهِ.
وفيهما أيضًا عن النبي - ﷺ -:
"مثل المُؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهِم كمثَلِ الجسَدِ الوَاحدِ، إذَا اشتَكَى منهُ عضوٌ تداعَى سائِرهُ بالحُمَّى والسهَرِ".
* * *