روائع التفسير — ابن رجب الحنبلي
فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴿٤﴾
قوله تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)
وقد رُوي عن عكرمةَ وغير من المفسِّرين في قوله تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) .
أنَّها ليلةُ النِّصْفِ من شعبانَ.
والجمهورُ على أنَّها ليلةُ القدْرِ، وهو الصحيحُ.
وقال عطاءُ بنُ يسارٍ: إذا كان ليلةُ النِّصْفِ من شعبانَ دُفعَ إلى ملكِ الموتِ
صحيفةٌ، فيُقالُ: اقبض من في هذه الصحيفةِ، فإنَّ العبدَ ليَغْرِسُ الغِرَاسَ.
وينكحُ الأزواجَ، ويبني البُنيانَ، وإن اسمَه قد نُسِخَ في الموتى ما ينتظرُ به
ملَكُ الموتِ إلا أن يُؤمَرَ به فيقبضَه..
يا مغرورًا بطول الأمل، يا مسرورًا بسوءِ العملِ، كُنْ مِن الموتِ على
وَجَلٍ، فما تدري متى يهجُمُ الأجَلُ.
كُلُّ امْرئٍ مُصئحٌ في أهْلِهِ. . . والمَوْتُ أدْنَى من شِراكِ نَعْلِهِ
قال بعضُ السلفِ: كم من مُستقبل يومًا لا يستكملُهُ، ومن مُؤمِّلٍ غدًا لا
يدرِكُه، إنَّكم لو رأيتمُ الأجَلَ ومسيرَهُ لأبغضتُمُ الأمَلَ وغُرورَهُ.
أؤمّلُ أنْ أخَلَّدُ والمنايا. . . . تدُورُ عليَّ من كُلّ النَّواحِي
وما أدرِي وإنْ أمْسَيْتُ يومًا. . . لَعلِّي لا أعيشُ إلى الصباح
كمْ ممن راحَ في طلبِ الدنيا أو غدَا. . . أصبَحَ مِنْ سكانِ القُبورِ غدَا
كأنكَّ بالمضيِّ إلى سبيلِكْ. . . وقدْ جذَ المُجَهِّزُ في رحِيلِكْ
وجيءَ بِغاسِل فاسْتَعْجَلُوهُ. . . بقولِهِم لهُ افْرغْ من غَسيلِكْ
ولم تحمِلْ سِوَى كفَنٍ وقُطْنٍ. . . إليهم من كثيركَ أو قليلكْ
وقد مدَّ الرِّجالُ إليكَ نَعْشًا. . . فأنْتَ عليه مَمْدُودٌ بطولِك
وصلَّوا ثمَ إنَّهم تدَاعَوا. . . لحمْلِكَ من بُكورِكَ أو أصيلِكْ
فلمَّا أسْلَمُوك نزَلْتَ قبْرًا. . . ومن لكَ بالسَّلامةِ في نُزولِكْ
أعانَكَ يومَ تدَخُلُهُ رحيمٌ. . . رءوفٌ بالعبادِ على دُخُولِكْ
فسَوفَ تُجاوِر المَوْتَى طويلًا. . . فذَرْني مِن قَصيركَ أو طويلِكْ
أُخَيَّ لقد نَصحتُكَ فاسْتَمِعْ لِي. . . وباللَّهِ اسْتَعَنْتُ على قبولِكْ
ألسْتَ تَرى المنايا كُل حينٍ. . . تُصيبُكَ في أخِيكَ وفي خَلِيلِكْ
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)
قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في فوله تعالى:
(إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ) .
قال: رُبَّما تَوهَّم جاهلٌ أنهم لم يُجَابُوا عما سألوا، وليسَ كذلك؛ فإن الذين سألوُا لا يصلح أن يكون دليلًا على البعثِ؛ لأنهم لو أُجيبوا إلى ما سألوا لم يكُنْ ذلك حجةً على مَنْ تقدَّم، ولا على
من تأخَّر، ولم يَزد على أنْ يكونَ لمن تقدَّم وعدًا، ولمن تأخر خبرًا، اللَّهمَّ إلا
أن يجيء لكل واحدٍ أبوه، فتصير هذه الدارُ دارَ البعثِ.
ثمَّ لو جازَ وقوع مثل هذه كان إحياءُ ملكٍ يُضْرَب به الأمثالُ أولى.
كـ: تُبَّع، لا أنتم يا أهلَ مكَّةَ، فإنكم لا تُعرفون في بقاع الأرض.
* * *