روائع التفسير — ابن رجب الحنبلي
۞ وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًۭا فَخُورًا ﴿٣٦﴾
قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)
وأمَّا إكرامُ الجارِ والإحسانُ إليه، فمأمور به، وقد قال اللَهُ ﷿:
(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) .
فجمعَ اللَّهُ تعالى في هذهِ الآيةِ بينَ ذكرِ حقِّه على العبدِ وحقوقِ العبادِ على العبدِ - أيضًا - وجعلَ العبادَ
الذينَ أمرَ بالإحسانِ إليهم خمسةَ أنواع:
أحدُها: من بينه وبينَ الإنسانِ قرابة، وخصَّ منهُمُ الوالدين بالذِّكرِ.
لامتيازِهِمَا عن سائرِ الأقاربِ بما لا يشْركونهما فيه، فإنهما كانا السببَ في
وجودِ الولدِ ولهما حقُّ التربيةِ والتأديبِ وغيرِ ذلك.
الثاني: منْ هو ضعيف محتاج إلى الإحسان وهو نوعانِ: من هو محتاج
لضعفِ بدنِهِ، وهو اليتيمُ، ومن هو محتاج لقلَّةَ مالِهِ، وهو المسكينُ.
والثالثُ: منْ له حقُّ القُربِ والمخالطةِ، وجعلَهُم ثلاثةَ أنواعْ جار ذو
قُربى، وجار جُنب، وصاحبُ بالجنبِ.
وقد اختلفَ المفسرونَ في تاويلِ ذلكَ، فمنهُم من قالَ: الجارُ ذو القُربى:
الجارُ الذي له قرابة، والجارُ الجُنب: الأجنبيّ، ومنهم من أدخلَ المرأةَ في
الجارِ ذىِ القربى، ومنهم من أدخلها في الجار الجنب، ومنهم من أدخلَ
الرَّفيقَ في السَّفرِ في الجارِ الجُنب.
وقد رُوي عن النبيِّ - ﷺ - أنه كان يقولُ في
دعائِهِ: "أعوذُ بك من جارِ السَّوءِ في دار الإقامةِ، فإنَّ جارَ الباديةَ يتحوَّلُ ".
ومنهم من قال: الجارُ ذو القربى: الجارُ المسلمُ، والجارُ الجنبُ: الكافرُ.
وفي "مسندِ البزارِ" من حديثِ جابرٍ مرفوعًا:
"الجيرانُ ثلاثة: جار له حقّ واحد وهو أدنى الجيرانِ حقًّا، وجاز له حَقَّانِ، وجاز له ثلاثةُ حقوقٍ، وهو أفضلُ الجيرانِ حقًّا.
فأمَّا الذي له حق واحد فجارْ مشركٌ لا رَحِمَ له، له حقُّ الجوارِ، وأمَّا الذي له حقَّانِ، فجارٌ مسلمٌ له حقُّ الإسلام، وحقّ الجوارِ، وأمَّا الذي له ثلاثةُ حقوقٍ، فجارٌ مسلمٌ ذو رحمٍ، له حقُّ الإسلام،
وحق الجوارِ، وحقُّ الرحم ".
وقد رُوي هذا الحديثُ من وجوه أخرَ متصلةٍ ومرسلةٍ، ولا تخلو كلُّها منْ
مقال.
وَقيلَ: الجارُ ذو القُربى: هو القريبُ الجوارِ الملاصقُ، والجارُ الجنبُ: البعيدُ
الجوارِ.
وفي "صحيح البخاريِّ ": عن عائشةَ، قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللَّه إنَّ لي
جارينِ، فإلى أيهِمَا أُهدِي؛ قالَ: "إلى أقربِهِمَا منك بابًا".
وقالَ طائفة من السلفِ: حدُّ الجوارِ أربعون دارًا، وقيل: مستدار أربعينَ
دارًا من كل جانبٍ.
وفي "مراسيلِ الزهريِّ ": أن رجلًا أتى النبيَّ - ﷺ - يشكُو جارًا له، فأمر النبيُّ - ﷺ - بعضَ أصحابِهِ أن ينادِي: "ألا إنَّ أربعين دارًا جار".
قال الزهريُّ: أربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، يعني بين يديه ومِن خلفِهِ، وعن يمينِهِ، وعن شمالِهِ.
وسئلَ الإمامُ أحمدُ عمَّن يطبخُ قدرًا، وهو في دار السبيل، ومعه في الدار
نحو ثلاثين أو أربعين نفسًا: يعني أنهم سكان معه في الدارِ، فقال: يبدأ
بنفسِهِ، وبمن يعول، فإن فضلَ فضل، أعطى الأقرب إليه، وكيفَ يُمكنه أن
يُعطِيهُم كلَّهم؛ قيلَ لهُ: لعل الذي هو جارُهُ يتهاونُ بذلكَ القدرِ ليسَ له عنده موقعٌ؛ فرأى أنه لا يبعثُ إليه.
وأمَّا الصَّاحبُ بالجنبِ ففسره طائفةٌ بالزَّوجةِ، وفسرهُ طائفة منهم ابنُ
عباسٍ بالرَّفيقِ في السفر، ولم يريدُوا إخراجَ الصاحبِ الملازِمِ في الحضرِ، إنما
أرادُوا أن صحبةَ السفرِ تكفِي، فالصحبةُ الدائمةُ في الحضرِ أوْلى، ولهذا قالَ
سعيدُ بنُ جبيرٍ: هو الرفيقُ الصالحُ، وقالَ زيدُ بنُ أسلمَ: هو جليسُك في
الحضرِ، ورفيقُك في السفرِ، وقالَ ابنُ زيدٍ: هو الرَّجلُ يعتريكَ ويُلِمُّ بك
لتنفعه.
وفي "المسندِ" والترمذيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، عن النبيِّ
- ﷺ - قال:
"خيرُ الأصحابِ عندَ اللهِ خيرُهم لصاحبِهِ، وخيرُ الجيرانِ عند اللهِ خيرُهُم
لجارِهِ ".
الرابعْ: من هو واردٌ على الإنسانِ، غيرُ مقيم عندَهُ، وهو ابن السبيلِ: يعني
المسافرَ إذا وردَ إلى بلد آخرَ، وفسَّره بعضُهم بالضَّيفِ: يعني به ابنَ السبيلِ إذا نزلَ ضيفًا على أحدٍ.
والخامس: ملكُ اليمين، وقد وصَّى النبي - ﷺ - بهم كثيرًا وأمر بالإحسانِ إليهم، ورُوي أنَّ آخرَ ما وصَّى به عندَ موتِهِ:
"الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ".
وأدخل بعضُ السلفِ في هذه الآيةِ: ما يملُكُه الإنسانُ من الحيواناتِ
والبهائم.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)
[قال البخاريُّ]: "كتابُ الغُسْلِ "، وقولُ اللَّهِ تعالى: (وَإِن كنتُمْ جُنُبًا
فَاطَّهَروا) إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَشْكرُونَ)، وقوله: (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لا تَقرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى) إلى قولِهِ: (عَفُوًّا غَفْورًا) .
صدَّر البخاريُّ - ﵀ - "كتابَ الغُسْلِ " بهاتينِ الآيتينِ، لأن غُسلَ
الجنابةِ مذكورٌ فيهما.
أما قولُه تعالى: (وَإِن كنتُمْ جُنُبًا فَاطَهَّرُوا)، فأمْر للجنبِ إذا قام إلى
الصلاة أن يتطهَّر.
وتطهُّرُ الجُنبِ هو غُسْلُه، كما في تطهُّر الحائضِ إذ انقطعَ دمُها، ولهذا قال
تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) .
والمرادُ بتطهرهنَّ: اغتسالُهُنَّ عند جمهورِ العلماءِ، فلا يُباحُ وطؤها حتى
تغتسلَ، وسيأتي تفسيرُ الآيةِ في "كتابِ الحيضِ " - إن شاء اللَّهُ تعالى.
وأما قولُه تعالى: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا)، فنهْي عن قُربانِ الجنبِ الصلاةَ
حتى يغتسلَ، فصرَّح هُنا بالغُسْلِ، وهو تفسيرُ التطهيرِ المذكورِ في آيةِ المائدةِ.
وهل المرادُ: نهيُ الجنبِ عن قُربانِ الصلاةِ حتى يغتسلَ، إلا أن يكونَ
مسافرًا - وهو عابرُ السبيلِ -، فيعدمُ الماءَ، فيصلِّي بالتيمم؛ أو المرادُ: نهيُ الجنبِ عن قربانِ موضع الصلاةِ - وهو المسجدُ - إلا عابرَ سبيل فيه.
غيرَ جالسٍ فيه، ولا لابث؛ هذا مما اختلفَ فيه المفسرونَ من السلفِ.
وبكلِّ حالٍ؛ فالآيةُ تدلُّ على أن الجنبَ ما لم يغتسلَ مَنْهِيّ عن الصلاةِ، أو
عن دخولِ المسجدِ، وأنَّ استباحةَ ذلك يتوقفُ على الغسلِ، فيُستدلُّ به على وجوبِ الغُسل على الجنبِ إذا أرادَ الصلاةَ، أو دخولَ المسجدِ.
* * *
وقد تأول طائفةٌ من الصحابةِ قولَ اللَّهِ ﷿: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ
سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) .
بأنَّ المرادَ: النهيُ عن قُربانِ موضع الصلاةِ - وهو المسجدُ - في حالِ الجنابةِ، إلا أن يكونَ عابرَ سبيلٍ، وهو المجتازُ به من غيرِ لبثٍ فيه.
وقد رُوي ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وأنسٍ - ﵃ -.
وفي "المسندِ" عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - سدَّ أبوابَ المسجدِ غيرَ بابِ عليٍّ.
قالَ: "فيدخلُ المسجدَ جنبًا، وهو طريقُه ليسَ له طريق غيرُهُ ".
وروى ابنُ أبي شيبة بإسنادِهِ، عن العوامِ، أن عليًا كان يمرُّ في المسجدِ
وهو جنب.
وبإسنادِهِ، عن جابرٍ، قالَ: كانَ أحدُنا يمشِي في المسجدِ وهو جنبٌ.
مجتازًا.
وخرَّجه - أيضًا - سعيدُ بنُ منصورٍ وابنُ خزيمةَ في "صحيحِهِ ".
وعن زيدِ بن أسلمَ، قالَ: كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - يمشون في المسجدِ، وهمْ جنبٌ.
خرَّجه ابنُ المنذرِ وغيرُه.
* * *
وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ من روايةِ قيسٍ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ، في قولِهِ
تعالى: (وَإِن كنتُم مَّرْضَى)، قالَ: نزلتْ في رجلٍ من الأنصارِ.
كان مريضًا فلم يستطع أن يقومَ فيتوضأ، ولم يكنْ له خادم فيناولَهُ، فأتى
رسولَ اللَّهِ - ﷺ - فذكر ذلك لهُ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذهِ الآية.
* * *