×
طهالآية ١٣١

روائع التفسير — ابن رجب الحنبلي

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ ﴿١٣١﴾

قوله تعالى: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) قولُهُ: "وكان رزقُهُ كفَافًا فصبرَ على ذلك " هذا خيرُ الرزقِ كما سبقَ في حديثِ "خيرُ الرزقِ ما يكفِي ". وفي "الصحيح أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يقول: "اللهمَّ اجعلْ رزقَ آلِ محمدٍ قُوتًا". وقد فسَّر طائفةٌ من المفسرينَ قولَهُ تعالى: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) . بهذا، وقالُوا: المرادُ: رزقُ يومِ بيومٍ. في "صحيح مسلم " عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: "قد أفلحَ من هُديَ إلى الإسلامِ، وكان عيشُه كفافًا وقنَّعهُ اللَهُ به ". وخرَّج الترمذيُّ والنسائيُّ من حديث فضالةَ بنِ عبيدٍ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: "طُوبى لمنْ هُديَ للإسلامِ وكانَ عيشُهُ كفافًا وقنِعَ ". وفي "المسندِ" و"سننِ ابنِ ماجةَ " عن أنسٍ مرفوعًا: "ما منْ غني ولا فقيرٍ إلا ودَّ يومَ القيامةِ أنَّه أُوتِيَ قُوتًا". وفي الترمذي عن أبي أُمامةَ - مرفوعًا: "عرض علي ربي أن يجعلَ لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلتُ: لا يا ربِّ، ولكن أجوعُ يومًا وأشبعُ يومًا، فإذا جعتُ تضرعتُ إليكَ ودعوتُكَ، وإذا شبعْتُ حمدتُكَ وشكرتُكَ ". وفي "سنن ابن ماجةَ " أنَّ النبيَّ - ﷺ - بعثَ إلى رجلٍ يستمنحُهُ ناقةً فردَّهُ ثم بعث إلى آخرَ فبعثَ إليه بناقةٍ، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: "اللهمَّ أكثرْ مالَ فلانٍ - للمانع الأولِ - واجعلْ رزقَ فلانٍ يومًا بيومٍ - للذي بعثَ بالناقةِ". وخرَّج ابنُ أبي الدنيا من حديثِ أبي هريرةَ - مرفوعًا: "اللَّهُمَّ منْ أحبَّني فارزقْهُ العفافَ والكفافَ، ومن أبغَضَنِي فأكثر مالَهُ وولدَهُ ". وفي الترمذيِّ وابنِ ماجةَ عن النبيِّ - ﷺ - قال: "من أصبح منكُم آمنًا في سِرْبهِ معافًى في بدنِهِ عندَهُ قُوتُ يومِهِ؛ فكأنَّما حِيزتْ له الدنيا". وخرَّجه الطبرانيُّ وزادَ في أوَّلِهِ: "ابنَ آدمَ، جمعتُ عندَك ما يكفيكَ وأنتَ تطلبُ ما يطغيكَ، لا بقليلٍ تقنعُ ولا منْ كثيرٍ تشبعُ " وزادَ في آخر: "فعلَى الدُّنيا العفاءُ". وقال عمرُ: كونُوا أوعيةَ الكتابِ، ينابيعَ للعلم، وسلُوا اللَّهَ ش زقَ يومٍ بيومٍ، وعدُّوا أنفسكُم في الموتى، ولا يضرُّكم أن لا يكثرَ لكُم. والكفافُ من الرزقِ؛ هو ما ليسَ فيه فضلٌ - بأن يكتَفي به صاحبُهُ من غيرِ فضْل. وجاء من حديثِ ابنِ عباسٍ - مرفوعًا: "إنَّما يكْفِي أحدُكُم ما قنعتْ به نفسُهُ " خرَّجه ابنُ أبي الدنيا. والمرادُ أن من اكتفى من الدنيا باليسيرِ وقنعتْ به نفسُهُ فقدْ كفاهُ ذلكَ واستغْنَى له وإنْ كان يسيرًا. قال أبو حازمٍ: إنْ كان يغنيكَ ما يكفيكَ فإن أدْنَى ما في الدنيا يكفيكَ - وإنْ كان لا يغنيكَ ما يكفيكَ فليسَ في الدنيا شيءٌ يكفيكَ. قال بكرٌ المزنيُّ: يكفيكَ من الدُّنيا ما قنعْتَ به ولو كفُّ تمرٍ وشربةُ ماءٍ. وقال الإمامُ أحمدُ: قليلُ الدنيا يكفِي وكثيرُ ما يكفِي يُغنِي، إنَّ من اكتفى من الدنيا كفاهُ منها القليلُ، ومن لم يكتفِ لم يكفِهِ الكثيرُ، كما قالَ بعضُهُم، شعر: حقيقٌ بالتواضع منْ يموتُ. . . ويكفِي المرءَ من دنْيَاه قوتٌ وقال آخرُ: يكفِي الفتى خلق وقوتُ. . . ما أكثرَ القوتَ لمن يموتُ وقد مدحَ في هذا الحديثِ من صبرَ على كفافِ عيشِهِ وقنعَ بهِ، فأما الراضِي بذلكَ: فهو أعْلَى منزلةً من الصابرِ القانِع. وقد قيلَ: إنَّ الفقيرَ الراضي أفضلُ من الفقيرِ الصابرِ والغنيَّ الشاكرِ بالاتفاقِ. وفي الحديثِ أنه - ﵇ - كان يقولُ في دعائِهِ: "رضِّنِي بما قسمتَ وفي حديب آخرَ. "إذا أرادَ بعبدِهِ خيرًا رضَّاهُ بما قسَمَ له، وبارَكَ لهُ فيه ". * * *