روائع التفسير — ابن رجب الحنبلي
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ تِبْيَٰنًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ﴿٨٩﴾
قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)
إنَّ اللَّه تعالى أنزلَ على نبيه الكتابَ، وبينَ فيه للأُمَّةِ ما يحتاجُ إليه من
حلالِ وحرامِ، كما قالَ تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لكُلِّ شَيْء) .
قالَ مجاهد وغيرُه: لكل شيءِ أمِرُوا به ونُهوا عنه.
وقال تعالى في آخرِ سورةِ النساءِ التي بيَّن فيها كثيرًا من أحكامِ الأموالِ والأبضاع: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) .
وقال تعالى: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) .
وقال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ)، ووكَل بيانَ ما أُشكلَ من التنزيلِ إلى الرسولِ - ﷺ -، كما قالَ تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)، وما قُبِضَ - ﷺ - حتى أكملَ له ولأُمَّتِهِ الدينَ، ولهذا أنزلَ عليه بعرفةَ قبْلَ موتِهِ بمدةِ يسيرةِ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .
وقالَ - ﷺ -:
"تركتُكُم على بيضاءَ نقيةِ، ليلُها كنهارِها، لا يزيغُ عنها إلا هالِكٌ ".
وقال أبو ذَرٍّ: تُوفيَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وما طائرٌ يحرك جناحَيهِ في السَّماءِ إلا وقد ذكَّرنا منه عِلْمًا.
ولما شكَّ الناسُ في موتِهِ - ﷺ -، قال عمُّه العباسُ - ﵁ -: واللَّهِ ما ماتَ رسولُ اللَّه - ﷺ - حتى ترك السبيلَ نهجًا واضحًا، وأحلَّ الحلالَ وحرَّم الحرامَ.
ونكحَ وطلًّقَ، وحاربَ وسَالَمَ، وما كانَ راعِي غنم يتبعُ بها رءوس الجبالِ
يخْبِطُ عليها العِضاهَ بمخْبطِهِ، ويَمْدُرُ حوضَها بيده بأنصبَ ولا أدأبَ من
رسولِ اللَّهِ - ﷺ - كان فيكُم.
وفي الجملةِ فما تركَ اللَّهُ ورسولُهُ حلالًا إلا مُبيَّنًا ولا حرامًا إلا مُبيَّنًا، لكن
بعضَه كان أظهرُ بيانًا من بعضٍ، فما ظهرَ بيانُه واشتهرَ، وعُلِمَ من الذَينِ
بالضرورةِ من ذلكَ لم يبقَ فيه شكٌّ، ولا يُعذرُ أحدٌ بجهلهِ في بلدٍ يظهرُ فيها
الإسلامُ، وما كان بيانُه دونَ ذلك، فمنه ما اشتهرَ بين حملةِ الشريعةِ خاصةً.
فأجمعَ العلماءُ على حِلِّه أو حرمتِهِ، وقد يخفَى على بعضِ من ليس منهُم.
ومنه ما لم يشتهرْ بين حملةِ الشريعةِ أيضًا، فاختلفُوا في تحليلِهِ وتحريمه.
* * *