روائع التفسير — ابن رجب الحنبلي
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴿١٥﴾
قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)
وخرَّج مسلمٌ من حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ -، سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ:
"إنَّ أوَّلَ الناسِ يُقضى يومَ القيامةِ عليه رجل استُشْهِدَ، فأتِي به، فعرَّفه نِعَمَهُ، فعرفَهَا، قال: فما عمِلتَ فيها؟
قال: قاتلتُ فيكَ حتَى استُشْهِدتُ، قال: كذبتَ، ولكنَكَ قاتلتَ، لأنْ
يُقالَ: جرِيء، فقد قيل، ثم أُمِرَ به، فسُحِبَ على وجهِهِ، حتى أُلقِيَ في النَّارِ، ورجل تعلَّمَ العلمَ وعلَمَهُ، وقرأ القُرآنَ، فأتِي به، فعرَّفَهُ نِعمَهُ فعرَفَها، قال: فما عملتَ فيها؟
قال: تعلَّمتُ العِلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيك القرآنَ، قال: كذبتَ، ولكنَك تعلَّمتَ العلمَ،
ليُقالَ: عالمٌ، وقرأتَ القرآنَ ليُقالَ: قارئ، فقدْ قيلَ، ثمَّ أُمِرَ به، فسُحِبَ على وجهِهِ حتى أُلقيَ في النارِ، ورجلٌ وسَّع اللَّهُ عليه، وأعطاهُ من أصنافِ المالِ كلِّه، فأُتِي به، فعرَّفهَ نِعَمَهُ، فعرَفَها، قالَ: فما عمِلتَ فيها؟
قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أن يُنفقَ فيها إلا أنفقتُ فِيهَا لك، قالَ: كذبتَ، ولكنَّكَ فعلتَ، ليُقالَ: هو جَواد، فقدْ قيل، ثمَّ أُمِرَ به.
فسُحبِ على وجهِهِ حتَّى أُلقيَ في النَّارِ".
وفي الحديثِ: أنَّ معاويةَ لما بَلَغَهُ هذا الحديثُ، بكَى حتى غُشي عليه.
فلمَّا أفاقَ، قال: صدقَ اللَهُ ورسولُهُ، قال اللَّهُ ﷿: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ) .
وقد وردَ الوعيدُ على تعلُّم العلم لغيرِ وجهِ اللَّهِ، كما خرَّجه الإمامُ أحمدُ
وأبو داودَ وابنُ ماجةَ، من حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال:
"منْ تعلَّمَ عِلمًا ممَّا يُبتَغَى به وجْهُ اللَّهِ، لا يتعلَّمُه إلا ليُصيبَ به عرَضًا من الدنيا، لم يَجِدْ عَرْفَ الجنَّةِ يومَ القيامةِ"
يعني: ريحَها َ.
وخرَّج الترمذيُّ من حديثِ كعبِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ - ﷺ -، قال:
"منْ طلَبَ العلمَ ليُمارِي به السُّفهاءَ، أو يُجارِي به العُلمَاءَ، أو يَصرِفَ به وجُوهَ الناسِ إليه، أدخلَهُ اللَّهُ النارَ".
وخرَّجه ابنُ ماجهَ بمعناهُ من حديثِ ابنِ عمرَ، وحذيفةَ، وجابرٍ، عنِ النبيِّ - ﷺ -
ولفظُ حديثِ جابرٍ: "لا تعلَّموا العِلمَ لتُباهُوا به العُلَماءَ، ولا لتُمارُوا به
السُّفهاءَ، ولا تخيَّروا به المجالسَ، فمنْ فعلَ ذلك، فالنَّارَ النَّارَ".
وقال ابنُ مسعودٍ: لا تعلَّموا العلمَ لثلاثٍ: لتمارُوا به السفهاءَ، أو
لتُجادِلوا به الفُقهاءَ، أو لتصرفُوا له وجُوهَ الناس إليكم، وابتعوا بقولِكُم
وفعلِكم ما عندَ اللهِ، فإنَّه يبقى ويذهبُ ما سواهُ.
وقد وردَ الوعيدُ على العملِ لغيرِ اللَهِ عمومًا، كما خرَّج الإمام أحمدُ من
حديثِ أُبيّ بنِ كعبٍ، عنِ النبيِّ - ﷺ -، قال:
"بَشِّرْ هذه الأمَّةَ بالسَّناءِ والرِّفْعَةِ والدِّينِ والتمكين في الأرض، فمن عمِلَ منهم عملَ الآخرةِ للدّنيا، لم يكنْ له في الآخرةِ من نصيب ".
* * *
قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)
قال اللَّهُ تعالى: (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ) .
وقال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) .
قال الربيعُ بنُ أنسٍ: الزفيرُ في الحلقِ، والشهيقُ في الصدرِ، وقال معمر
عن قتادةَ: صوتُ الكافرِ في النارِ مثل صوتِ الحمارِ، أوَلهُ زفير وآخرُهُ
شهيقٌ، وقال تعالى: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا) .
وفي حديثِ حارثةَ: "وكأنِّي أنظر إلى أهلِ النَّارِ، يتعاوونَ فيها".
وروى معاويةُ بنُ صالح عن سليم بنِ عامرِ عن أبي أمامةَ عنِ النبيِّ - ﷺ -، قال: "رأيتُ رُؤْيا" فذكرَ حديثًا طويلًا وفيه قال:
"ثم انطلقْنَا فإذا نحن نَرى دُخانًا ونسمعُ عواء، قلتُ: ما هذا؟
قال: هذه جهنَّمُ " خرَّجه الطبرانيُّ وغيرُه.
وروى الأعمشُ عن يزيدَ الرقاشي، عن أنسٍس، عن النبي - ﷺ -، قال: "يُلقى البُكاءُ على أهلِ النارِ فيبكونَ حتى تنقطعَ الدموعُ، ثم يبكونَ الدمَ حتى يصيرَ في وجوهِهِم كهيئةِ الأخدودِ، ولو أرسلت فيه السفنُ لجرتْ " خرَّجه ابنُ ماجةَ.
ورُويَ عن الأعْمش عن عمرِو بنِ مرَّةَ ويزيدَ الرقاشيِّ، عن أنسٍ موقوفًا من قولِهِ.
ورواه سعيدُ بنُ سلمةَ عن يزيدَ الرقاشيِّ، قالَ: بلغَنا هذا الكلامُ ولم يسندْهُ
ولم يرفعْهُ.
وروى سلامُ بنُ مسكينٍ عن قتادةَ عن أبي بردةَ بنِ أبي مُوسى عن أبيه.
قالَ: إنَّ أهلَ النَّارِ ليبكونَ الدموعَ في النَارِ حتَّى لو أجريتْ السفنُ في
دموعِهِم لجرتْ، ثم إنهم ليبكون بالدمِ بعد الدموع ولمثلِ ما هُم فيه فليُبْكَ.
وقال صالحُ المرِّيُّ: بلغنِي أْنهم يصرخونَ في النَّارِ حتى تنقطعَ أصواتُهم
فلا يبقى منهم إلا كهيئة الأنينِْ من المدنفِ.
وقال ابنُ أبي إسحاقَ عن محمد بنِ كعب: زفرُوا في جهنَّم فزفرتِ النارُ.
وشهقوا فشهقتِ النارُ بما استحلوا من محارِمِ اللهِ.
قال: والزفير من النفسِ والشهيقُ من البكاءِ.
وقال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ في قولِهِ تعالى:
(لَهم فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) قال: صوت شديد وصوت ضعيفٌ.
وروى مالكٌ عن زيدِ بنِ أسلمَ في قولِهِ ﷿: (سَوَاءٌ عَلَينَا أَجَزِعْنَا أَمْ
صَبَرْنَا ما لَنَا مِن مَحِيصٍ): قال زيد: صبرُوا مائة عامٍ ثم بكَوا مائة
عام ثم قالُوا: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَحِيصٍ) .
وروى الوليدُ بنُ مسلم عن أبي سلمةَ الدوسي - واسمه ثابتُ بنُ شريح -
عن سالم بنِ عبدِ اللَّهِ عن النبيِّ - ﷺ - أنه كان يدعُو: "اللَّهُمَّ ارزْقني عينينِ هطالتينِ يشفيانِ القلبَ بذروفِ الدموع من خشيتِكَ قبلَ أن يكونَ الدمعُ دمًا والأضراسُ جمرا".
سالم بن عبدِ اللهِ هو المحاربي وحديثه مرسل، وظن بعضهم أنه
سالمُ بنُ عبد اللَّه بنِ عمرَ، وزادَ بعضُهم في الإسناد: عن أبيه، ولا يصحُّ
ذلكَ كلُّه.
وروى الوليدُ بنُ مسلم أيضًا عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ، عن
إسماعيلَ بنِ عبيدِ اللَّهِ، قال: إن داودَ - ﵇ -، قالَ: ربِّ ارزقني
عينين هطالتينِ يبكيانِ بذروفِ الدموع ويشفياني من خشيتِكَ قبلَ أن يعودَ
الدمعُ دمًا والأضراسُ جمرًا، قال: وكان داودُ - ﵇ - يعاتَبُ في
كثرةِ البكاءِ، فيقولُ: دعُوني أبْكِي قبلَ يوم البكاءِ، قبل تحريقِ العظامِ واشتعالِ اللِّحى، وقبل أن يأمر بي ملائكةً غلاظا شدادًا لا يعصونَ اللَّهَ ما أمرَهُم ويفعلونَ ما يؤمرونَ.
وروى يونسُ بنُ ميسرةَ عن أبي إدريس الخولانيِّ، قالَ: إنَّ داودَ - عليه
السلامُ -،
قال: أبكي نفسي قبل يوم البكاءِ، أبكي نفسِي قبلَ أن لا ينفعَ
البكاءُ، ثم دعا بجمرٍ فوضًع عليه حتى إذا حرَّهُ رفعها، وقال: أوه
لعذابِ اللَّهِ، أوه أوه قبل أن لا ينفع أوه.
وروى ثابتُ البناني عنْ صفوانَ بنِ محرزٍ قالَ: كان لداودَ - ﵇ -
يومٌ يتأؤَهُ فيه يقول: أوَّه أوَّه من عذابِ اللَّهِ - ﷿ - قبل أن لا ينفعَ أوَّه، قال: فذكرَها صفوانُ ذاتِ يومٍْ في جلسٍ فبكى حتى غلبَهُ البكاءُ، فقامَ.
وقال عبدُ اللَّهِ بنُ رياح الأنصاريُّ، سمعتُ كعبًا، يقولُ: (إِنَّ إِبْرَاهيمَ
لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ)، قال: كان إذا ذكر النارَ قال: أوَّاه من النارِ أوَّاه من
النارِ.
وعن أبي الجوزاءِ وعبيدِ بن عميرٍ نحوُ ذلك.
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ له عن رياح القيسى: أنه مرَّ بصبيٍّ يبكي
فوقفَ عليه يسأله: ما يبكيك يا بني، وجعلَ الصبيُّ لا يحسنُ يجيبُهُ ولا يردّ
عليه شيئًا، فبكى رياحٌ ثم قال ليس لأهلِ النارِ راحةً ولا معول إلا البكاءُ.
وجعل يبكي.
وبإسنادٍ له آخرَ: أنَّ رياحًا القيسي زارَ قومًا، فبكى صبيٌّ لهم من الليل.
فبكى رياحٌ لبكائِهِ حتى أصبح، فسئلَ بعد ذلك عن بكائه، فقال: ذَكر ببكاءِ الصبي بكاءَ أهلِ النارِ في النارِ ليس لهم نصيرٌ، ثم بكى.
* * *
قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)
فإقامةُ الصلواتِ المفروضاتِ على وجهِها يوجبُ مباعدة الذنوبِ.
ويوجبَ - أيضًا - إنقاءَها وتطهيرَها، فإنَّ مثل الصلواتِ الخمسِ كمثل نهرٍ
جارٍ، يغتسلُ فيه كلَّ يومَ خمسَ مراتٍ، وقد تقدَّم الحديث في ذلكَ.
ويوجبُ - أيضًا - تبريدَ الحريقِ الَّذى تكسبه الذنوبُ وإطفاءَه.
وخرَّجَ الطبرانيُّ من حديثِ ابنِ مسعود - مرفوعًا:
"تحترقون تحترقون حتى إذا صليتُمُ الفجرَ غسلتْهَا، ثم تحترقونَ تحترقون حتى إذا صَلَّيْتُم الظهرَ غسلتَها، ثم تحترقون تحترقونَ حتى إذا صليتُم العصرَ غسلتْها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتُم المغربَ غسلتْها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتُمُ العشاءَ غسلتْها".
وقد رُوي موقوفًا، وهو أشبُه.
وخرَّج - أيضًا - من حديثِ أنسٍ - مرفوعًا:
"إن للَّهِ ملكًا ينادي عندَ كلِّ صلاةٍ: يا بني آدمَ، قومُوا إلى نيرانِكُم التي أوقدتمُوها على أنفسِكُم فأطفئُوها".
وخرَّجَ الإسماعيليُّ من حديثِ عمرَ بنِ الخطابِ - مرفوعًا: "يُحْرَقونَ، فإذا
صلَّوا الصبحَ غَسلتِ الصلاةُ ما كان قبلها" حتى ذكرَ الصلواتِ الخمسِ.
ولما كانتِ الصلاةُ صلةً بين العبدِ وربِّه، وكان المصلِّي يناجِي ربَّه، وربُّه
يقرِّبه منه، لم يصلحْ للدخولِ في الصلاةِ إلا منْ كان طاهرًا في ظاهر
وباطنِهِ، ولذلك شرعَ للمصلِّي أن يتطهر بالماءِ، فيكفرُ ذنوبَه بالوضوءِ، ثم
يمشي إلى المساجدِ فيكفر ذنوبَه بالمشي، فإنْ بقي من ذنوبِهِ شيءٌ كفرتْه
الصلاة.
قال سلمانُ الفارسيُّ: الوضوءُ يكفِّر الجراحاتِ الصغارِ، والمشيُ إلى
المسجدِ يكفِّر أكثرَ من ذلك، والصلاةُ تكفّر أكثرَ من ذلكَ.
خرَّجه محمدُ بنُ نصرُ المروزيُّ وغيرُهُ.
فإذا قامَ المصلى بينَ يدي ربِّه في الصلاةِ وشرعَ في مناجاتِهِ له، شُرِعَ أولَ
ما يناجي ربَّه أن يسأل ربَّه أن يباعدَ بينه وبين ما يوجِبُ له البعدَ من ربِّه.
وهو الذنوبُ، وأن يطهرهَ منها، ليصلحَ حينئذٍ للتقريبِ والمناجاةِ، فيستكملُ فوائدَ الصلاةِ وثمراتِها من المعرفةِ والأنسِ والمحبة والخشيةِ، فتصيرُ صلاتُهُ ناهيةً له عن الفحشاء والمنكر، وهي الصلاةُ النافعة.
* * *
وقوله - ﷺ -:
"وأتْبع السيًئةَ الحسنةَ تمْحُها"
لما كانَ العبدُ مأمورا بالتقوى في السرِّ والعلانيةِ مع أنَّه لا بدَّ أن يقعَ منه أحيانًا تفريطٌ في التقوى، إما بتركِ بعضِ المأموراتِ، أو بارتكابِ بعضِ المحظوراتِ، فأمرَهُ أن يفعلَ ما يمحُو به هذه السيئةَ وهو أن يتبعَهَا بالحسنةِ، قال اللَّهُ ﷿: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) .
وفي "الصحيحينِ " عن ابنِ مسعودٍ: أنَّ رجلًا أصابَ من امرأةٍ قُبلةً، ثم
أتَى النبيَّ - ﷺ - فذكرَ ذلكَ لهُ، فسكتَ النبيُّ - ﷺ - حتَّى نزلتْ هذه الآية ُ، فدعاهُ
فقرأها عليهِ، فقالَ رجلٌ: هذا له خاصةً؟
قال: "بل للناسِ عامَّة".
وقد وصفَ اللَّهُ المتقينَ في كتابِهِ بمثلِ ما وصَّى به النبيُّ - ﷺ - في هذه الوصيةِ في قولِهِ ﷿: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) .
فوصفَ المتقينَ بمعاملةِ الخلقِ بالإحسانِ إليهم بالإنفاق، وكظم الغيظِ.
والعفوِ عنهم، فجمعَ بين وصفِهِم ببذلِ النَّدى واحتمالِ الأذى، وهذا هو غايةُ حسنِ الخلقِ الذي وصَّى به النبيُّ - ﷺ - لمعاذٍ، ثم وصفَهُم بأنهم: (إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم)، ولم يصرُّوا
عليها. فدلَّ على أن المتقينَ قد يقَعُ منهم أحيانًا كبائرُ وهي الفواحشُ وصغائرُ
وهي ظلمُ النفس، لكنَّهم لا يصرون عليها، بل يذكرونَ اللَّهَ عقِبَ وقوعِهَا، ويستغفرونه ويتوبونَ إليه منها، والتوبةُ: هي تركُ الإصرارِ.
ومعنى قولِهِ: (ذَكَرُوا اللَّهَ)، أي: ذكرُوا عظمتَهُ وشدَّةَ بطشِهِ
وانتقامِهِ، وما توعَّد به على المعصيةِ من العقابِ، فيوجبُ ذلك لهم الرجوعَ
في الحالِ والاستغفارَ وتركَ الإصرارِ، وقالَ اللَّهُ ﷿:
(إِنَّ الذِينَ اتَقَوْا إِذَا مَسَهُمْ طَائِفٌ منَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) .
وفي "الصحيحينِ " عن النبيِّ - ﷺ - قال:
"أذْنبَ عبدٌ ذنبًا، فقالَ: ربَ إنّى عملتُ ذنبًا فاغفِرْ لي، فقالَ اللَّهُ: علِمَ عبدِي أنَّ له ربًّا يغفر الذنبَ، ويأخذُ بالذنب، قد غفرتُ
لعبدِي، ثم أذنبَ ذنبا آخرَ - إلى أن قال في الرابعةِ -: فليعملْ ما شاء".
يعني: ما دامَ على هذه الحال كلَّما أذنبَ ذنبًا استغفر منه.
وفي الترمذيِّ من حديث أبي بكرٍ الصدِّيقِ - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال:
"ما أصرَ من استغْفَرَ ولو عادَ في اليوم سبعِينَ مرة".
وخرَّج الحاكمُ من حديثِ عُقبةَ بن عامرٍ أنَّ رجلًا أتى النبيَّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أحدُنا يذنبُ، قال: "يُكتبُ عليه "، قال: ثم يستغفرُ منه، قال: "يغفرُ له، ويُتابُ عليه "، قال: فيعودُ فيذنبُ، قال: "يكتبُ عليه " قال: ثم يستغفرُ منه ويتوبُ، قال: "يغفرُ له، ويتاب عليه، ولا يمَلُّ اللَّهُ حنَّى تملُّوا".
وخرَّج الطبرانيُّ بإسنادٍ ضعيف عن عائشةَ - ﵂ -، قالتْ: جاء حبيبُ بنُ الحارثِ إلى النبيِّ - ﷺ - فقال: يا رسول اللَّهِ، إنِّي رجل مِقْرافٌ للذنوبِ، قال: "فتبْ إلى اللهِ - ﷿ "، قال: أتوبُ، ثم أعود، قال: "فكلما أذنبتَ، فتُبْ "، قال: يا رسول اللَّه إذًا تكثرُ ذنوبي، قال: "فعفو اللَّه أكثرُ من ذنوبكَ يا حبيبَ بنَ الحارثِ ".
وخرَّجه بِمعناه من حديثِ أنسٍ مرفوعًا بإسنادٍ ضعيفٍ.
وبإسنادِهِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، قال: من ذكرَ خطيئةً عمِلَها، فوَجِلَ قلبُه
منها، واستغفرَ اللَّهَ، لم يحبِسْها شيءٌ حتى يمحَاها.
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ عن عليٍّ، قالَ: خيارُكم كل مُفتَنٍ توَّابٍ.
قيلَ: فإن عادَ؟
قال: يستغفرُ اللَّهَ ويتوبُ، قيل: فإن عادَ؟
قال: يستغفرُ اللهَ ويتوبُ، قيل: حتى متى؟
قال: حتى يكونَ الشيطانُ هو المحسورُ.
وخرَّج ابنُ ماجةَ من حديثِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا:
"التائبُ من الذَّنْبِ كمَنْ لا ذَنبَ لهُ ".
وقيلَ للحسنِ: ألا يستحيي أحدُنا من ربِّهِ يستغفرُ من ذنوبِهِ ثم يعودُ، ثم
يستغفرُ، ثم يعودُ؟
فقال: ودَّ الشيطانُ لو ظَفِرَ منكُم بهذهِ، فلا تملُّوا من الاستغفارِ.
وروي عنه أنه قال: ما أرى هذا إلا من أخلاقِ المؤمنينَ، يعني: أنَّ المؤمن
كلَّما أذنبَ تابَ، وقد رُويَ "المؤمنُ مُفَتَّنٌ توَّاب".
وروي من حديث جابر بإسناد ضعيف، مرفوعًا:
"المؤمنُ واه راقعٌ، فسعيدٌ من هلكَ على رقعِهِ ".
وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ في خطبتِهِ: من أحسنَ منكُم، فليَحْمَد اللَّهَ.
ومن أساء، فليستغفرِ اللهَ، فإنَّه لا بد لأقوامٍ من أن يعملُوا أعمالًا وظَّفها اللَّهُ
في رقابِهم، وكتبَها عليهم، وفي رواية أخرى عنه أنَه قال: أيها الناس من ألمَّ
بذنبٍ، فليستغفرِ اللَهَ وليتبْ، فإن عَّاَدَ، فليستغفرِ اللَّهَ وليتبْ، فإن عاد،
فليستغفرِ اللَّه وَليتبْ، فإنَّما هي خطايا مطوَّقة في أعناقِ الرجالِ.
وإن الهلاكَ كُلَّ الهلاكِ في الإصرارِ عليها.
ومعنى هذا: أن العبدَ لا بُدَّ أن يفعلَ ما قُدِّرَ عليه من الذنوبِ كما قال
النبيُّ - ﷺ -: "كُتِبَ على ابنِ آدمَ حظُّهُ من الزِّنى، فهُوَ مُدْركٌ ذلك لا محالة" ولكنَّ اللَّهَ جعلَ للعبدِ مخرجًا مما وقعَ فيه من الذنوبِ، بالتوبةِ والاستعفارِ، فإنْ فعلَ، فقدْ تخلَّصَ من شرِّ الذنوبِ، وإن أصرَّ على الذنوبِ، هلكَ.
وفي "المسندِ" من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عنِ النبيِّ - ﷺ - قال: "ارحَمُوا تُرْحموا واغفِروا يُغْفَرْ لكم، ويل لأقْماع القولِ، ويل للمُصرِّين الذي يُصرون على ما فعلوا وهُم يعلمون ".
وفُسِّر أقماعُ القولِ: بمن كانتْ أذناهُ كالقُمع لما يسمعُ من الحكمةِ والموعظةِ
الحسنةِ، فإذا دخلَ شيء من ذلكَ في أذنه خرج من الأخرى ولم ينتفع بشيء
مما سمعَ.
وقولُهُ - ﷺ -:
"أتْبِع السيّئةَ الحسنةَ تمحُها"
قد يُرادُ بالحسنة التوبةُ من تلكَ السيئةِ.
وقد وردَ ذلك صريحًا في حديثٍ مرسلٍ، خرَّجه ابنُ أبي الدنيا من "مراسيلِ
محمدِ بنِ جُبير" أنَّ النبيَّ - ﷺ - لما بعثَ معاذًا إلى اليمن قالَ: "يامعاذُ، اتَقِ اللهَ ما استطعتَ، واعملْ بقوَّتِكَ للَّهِ ﷿ ما أطقْتَ، واذكرِ اللَّهَ ﷿ عندَ كل شجرةٍ وحجرٍ، وإنْ أحدثت ذنبًا، فأحدِثْ عندهُ توبةً، إنْ سرًّا فسر وإن علانيةً فعلانية"
وخرَّجه أبو نُعيمٍ بمعناهُ من وجه آخرَ ضعيفٍ عن معاذ.
وقال قتادةُ: قال سلمانُ: إذا أسأتَ سيئةً في سريرةٍ، فأحسِن حسنةً في
سريرةٍ، وإذا أسأتَ سيئةً في علانيةٍ، فأحسنْ حسنةً في علانية، لكي تكون
هذه بهذهِ، وهذا يحتملُ أنه أراد بالحسنة التوبةَ أو أعمَّ منها.
وقد أخبر اللَّهُ تعالى في كتابِهِ أن من تابِ من ذنبهِ، فإنه يغفر له ذنبُه أو
يتابُ عليه في مواضعَ كثيرةٍ، كقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)، وقولِهِ: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) .
وقولِهِ: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) .
وقولِهِ: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) .
وقولِهِ: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا)، وقولِهِ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) .
قال عبدُ الرزاقِ: أخبرنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال:
بلغني أن إبليسَ حينَ نزلتْ هذه الآيةُ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) الآية، بكَى.
ويُروى عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: هذه الآيةُ خيرٌ لأهلِ الذنوبِ من الدنيا وما
فيها.
وقال ابنُ سيرينَ: أعطانا اللَّهُ - ﷿ - هذه الآية مكانَ ما جعلَ
لبني إسرائيل في كفاراتِ ذنوبِهِم.
وقال أبو جعفر الرازيُّ، عن الربيع بنِ أنسِ، عن أبي العاليةِ قال: قال
رجل: يا رسولَ اللَّهِ، لو كانتْ كفاراتُنا ككفاراتِ بني إسرائيلَ، فقال النبيُّ
- ﷺ -: "اللَّهُمَّ لا نبغيها - ثلاثًا - ما أعطاكُمُ اللَهُ خيرٌ مما أعطى بني إسرائيل، كانتْ بنو إسرائيل إذا أصاب أحدُهُم الخطيئةَ، وجدها مكتوبةَ على بابِهِ وكفارتَها، فإنْ كفرها كانتْ له خزيًا في الدنيا، وإن لم يكفرْها كانت له خزيًا في الآخرةِ، فما أعطاكُمُ اللَّهُ
خيرٌ مما أعطى بني إسرائيل قال تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثمَ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفورًا رَّحِيمًا) .
وقال ابنُ عباس في قولِهِ تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ)
قال: هو سعةُ الإسلامِ، وما جعلَ اللَّهُ لأمَّةِ محمدٍ من التوبةِ
والكفَّارةِ.
وظاهرُ هذه النصوصِ يدلُّ على أن من تابَ إلى اللَّه توبةً نصوحًا.
واجتمعتْ شروطُ التوبةِ في حقِّه، فإنه يُقطعُ بقبولِ اللهِ توبته، كما يُقطع
بقبولِ إسلام الكافرِ إذا أسلمَ إسلامًا صحيحا، وهذا قولُ الجمهورِ، وكلامُ
ابنِ عبدِ البِرِّ يدلُّ على أنّه إجماع.
ومن الناسِ من قال: لا يقطعُ بقبولِ التوبةِ، بل يُرجَى، وصاحبُها تحتَ
المشيئةِ، وإن تابَ، واستدلوا بقولِهِ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، فجعلَ الذنوبَ كلَّها تحتَ مشيئته، وربما استدلَّ بمثلِ
قولِهِ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)، وبقولِهِ: (فَاَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أن يَكونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) .
وقوله: (وَتُوبوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .
وقوله: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) .
والظاهرُ: أن هذا في حقِّ التائبِ، لأنَّ الاعترافَ يقتضي الندمَ، وفي
حديث عائشةَ عن النبيئَ - ﷺ - قال:
"إنَّ العبدَ إذا اعترفَ بذنبِهِ، ثم تابَ، تاب اللَّه عليه "
والصحيحُ قول الأكثرينَ.
وهذه الآياتُ لا تدلُّ على عدمِ القطع، فإنَّ الكريمَ إذا أطمعَ، لم يقطعْ
من رجائِهِ المُطمَع، ومنْ هنا قال ابنُ عباسٍ: إنَّ "عسى" من اللَّهِ واجبة، نقله
عنه عليٌّ بنُ أبي طلحة.
وقد وردَ جزاءُ الإيمانِ والعملِ الصالح بلفظِ: "عسى" أيضًا، ولم يدل
ذلك على أنه غير مقطوع به، كما في قولِهِ: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) .
وأما قولُهُ: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ)، فإنَّ التائبَ ممن شاء
أن يغفرَ له، كما أخبرَ بذلك في مواضعَ كثيرة من كتابِهِ.
وقد يُراد بالحسنةِ في قولِ النبيّ - ﷺ -:
"أتبع السيئة الحسنة" ما هو أعمُّ من التوبة، كما في قولهِ تعالى:
(وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) .
وقد رُوي من حديث معاذ أنَّ الرجلَ الذي نزلتْ بسببه هذه الآية ُ أَمَرَهُ
النبيُّ - ﷺ - أن يتوضأ ويُصلِّيَ.
وخرَّج الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ والترمذيُّ، والنسائيُّ، وابنُ ماجةَ من
حديثِ أبي بكرٍ الصديقِ - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقومُ فيتطهَّرُ ثم يُصلِّي ثم يستغفرُ اللَّهَ إلا غفرَ اللَّهُ له " ثم قرأ هذه الآيةَ:
(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكروا اللَّهَ فَاسْتَغْفَروا لِذنُوبِهِمْ) .
وفي "الصحيحينِ " عن عثمانَ أنه توضأ، ثم قال: رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - توضَّأ نحوَ وضوئِي، هذا ثم قال: "من توضَّأ نحو وضوئي هذا ثم صلَّى ركعتينِ لا يُحدِّثُ فيهما نفسَهُ، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه ".
وفي "مسند الإمامِ أحمدَ" عن أبي الدرداء قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ: "منْ توضَّأ فأحسنَ الوضوءَ، ثم قامَ فصلًّى ركعتينِ أو أربعًا، يُحسنُ فيهِمَا الركوعَ والخشوعَ، ثم استغفرَ اللَّهَ ﷿ غُفِرَ له ".
وفي "الصحيحينِ " عن أنسٍ قال: كُنتُ عندَ النبيِّ - ﷺ -، فجاءه رجل، فقالَ: يا رسولَ اللَهِ إني أصبتُ حدًّا، فأقمْهُ عليَّ، قال: ولم يسألْه عنه، فحضرتِ الصلاةُ فصلَّى مع النبيِّ - ﷺ - فلمَّا قضى النبيُّ - ﷺ - الصلاةَ قامَ إليه
الرجلُ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي أصبتُ حدًّا، فأقم عليَّ كتابَ اللَّهِ.
قالَ: "أليس قد صلَّيتَ معنا؟ " قالْ نعم، قالَ: "فإنَّ اللَّه قد غفر لك ذنبَك
- أو قال -: حدَك ".
وخرَّجه مسلمٌ بمعناه من حديثِ أبي أمامةَ.
وخرَّجه ابنُ جرير الطبريُ من وجهٍ آخر عن أبي أُمامة، وفي حديثِهِ قال:
"فإنَّك منْ خطيئتك كما ولدتك أمُّك، فلا تعُدْ".
وأنزل اللَّهُ: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْل) .
وفي "الصحيحينِ " عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قال: "أرأيتُم لو أنَّ نهرًا ببابِ أحدِكم يغْتسلُ فيه كلَّ يوم خمسَ مرَّاتٍ هل يبقى من درنه شيء " قالُوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: "فذلكَ مثلُ الصَّلواتِ الخمسِ يمحُو اللَّه بهن الخطايا".
وفي "صحيح مسلم" عن عثمانَ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "من توضَّأ فأحسنَ الوضوءَ، خرجتْ خطاياه من جسدهِ حتى تخرجَ من تحت أظفاره ".
وفيه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:
"ألا أدلكم على ما يمحُو اللَّهُ به الخطايا، ويرفعُ به الدَّرجاتِ؟ " قالُوا: بلى يا رسول اللَّهِ، قال: "إسباغُ الوضوءِ على المكاره، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصَّلاة، فذلكُم الرباطُ، فذلكُم الرباط ".
وفي "الصحيحينِ " عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّ - ﷺ - قال: "منْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِهِ، ومنْ قامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِنْ ذنبِهِ، ومن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا، غُفرَ له ما تقدَّم من ذنبِهِ ".
وفيهما عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّ - ﷺ - قال:
"منْ حجَّ هذا البيتَ، فلم يرْفُثْ، ولم يَفسُقْ، خرج من ذنوبِهِ كيوم ولدتْه أمُّه ".
وفي "صحيح مسلم " عن عمرِو بنِ العاصِ عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إن الإسلامَ يهدِمُ ما كانَ قبله، وإن الهجرةَ تهدِمُ ما كان قبلها، وإنَّ الحجَّ يهدِمُ ما كان قبلهَ ".
وفيه من حديثِ أبي قتادةَ، عنِ النبيِّ - ﷺ - قال في صومِ عاشوراء: "أحتسبُ على اللهِ أن يُكفِّرالسنةَ التي قبلَهُ ".
وقال في صومِ يوم عرفةَ: "أحتسبُ على اللَّهِ أن يُكفِّر السنة التي قبله والتي بعده ".
وخرَّج الإمامُ أحمدُ من حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قال:
"مثلُ الذي يعملُ السيئات، ثم يعملُ الحسناتِ، كمثلِ رجلٍ كانتْ عليه درعٌ ضيقة قد خنَقَتْه، ثم عمِلَ حسنةً فانفكتْ حلقة ثم عمِلَ حسنة أخرى، فانفكتْ أخرى حتى يخرجَ إلى الأرضِ ".
ومما يكفر الخطايا ذكرُ اللَّهِ ﷿، وقد ذكرنا فيما تقدَّم أنَّ النبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عن قول: "لا إله إلا اللَّهُ " أمِنَ الحسناتِ هي؟
قال: "هي أحسنُ الحسنات ".
وفي "الصحيحينِ " عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "من قال. سبحانَ الله وبحمده في يومِهِ مائة مرة، حُطَّتْ خطاياه وإن كانتْ مثل زبدِ البحرِ".
وفيهما عنه، عن النبيِّ - ﷺ - قال:
"منْ قال: لا إله إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، يحيي ويميتُ، وهو على كل شيءٍ قدير في يومٍ مائةَ مرَةٍ، كانتْ له
عِدْلَ عشرِ رقابٍ، وكتبتْ له مائةُ حسنةٍ، ومُحِيتْ عنه مائة سيئةٍ، وكانتْ له حِرزا من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل أفضلَ من ذلك ".
وفي "المسندِ" وكتابِ ابن ماجةَ عن أمِّ هانئ عن النبى - ﷺ - قال. "لا إله إلا اللَّهُ لا تتركُ ذنبًا ولا يسبقها عملٌ ".
وخرَّج الترمذيُّ عن أنس، عن النبيِّ - ﷺ - إنه مرَّ بشجرة يابسةِ الورقِ، فضربَها بعصَاهُ، فتناثرَ الورقُ، فقال: "إنَّ الحمد للَّه وسبحان الله، ولا إله إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، لتساقط من ذنوبِ العبدِ كما يتساقطُ ورقُ هذه الشجرةِ".
وخرَّجه الإمامُ أحمدُ بإسناد صحيح عن أنسٍ أنَّ رسول اللَّهِ - ﷺ - قال: "إنَّ سبحان اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إله إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، تنفُضُ الخطايا كما تنفُضُ الشجرةُ ورقها ".
والأحاديثُ في هذا كثيرةٌ جدًّا يطول الكتابُ بذكرِهَا.
وسئل الحسنُ عن رجلٍ لا يتحاشَى من معصية إلا أن لسانَهُ لا يفتر من
ذكرِ اللَّهِ، فقال: إنَّ ذلك لعَوْنٌ حسنٌ.
وسئل الإمامُ أحمدُ عن رجل. اكتسبَ مالًا من شبهة: صلاتُه وتسبيحُه
يحُطُّ عنه شيئًا من ذلك؟
فقال: إنْ صلَّى وسبَّح يريدُ به ذلك، فأرجو، قال اللَّه تعالى:
(خَلَطوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّه أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) .
وقال مالكُ بنُ دينارٍ: البكاءُ على الخطيئةِ يحطُّ الخطايا كما تحطُّ الريحُ
الورقَ اليابسَ.
وقال عطاء: من جلس مجلسًا من مجالسِ الذكرِ كفَّر به عشرة مجالسَ
من مجالسِ الباطلِ.
وقال شويسٌ العدويُّ - وكان من قدماءِ التابعينَ -: إنْ صاحبَ اليمينِ
أمير - أو قالَ: أمين - على صاحبِ الشمالِ، فإذا عَمِلَ ابنُ آدمَ سيئةً، فأرادَ صاحبُ الشمالِ أن يكتبها، قالَ له صاحبُ اليمينِ: لا تعْجَلْ لعلَّه يعملُ حسنةً، فإن عمِلَ حسنةً، ألقى واحدةً بواحدة، وكتبَ له تسعَ حسناتٍ، فيقولُ الشَّيطانُ: يا وَيلَه، من يدركُ تضعيفَ ابنِ آدمَ.
وخرَّج الطبرانيُّ - بإسنادٍ فيه نظر - عن أبي مالكٍ الأشعريِّ عنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ: "إذا نامَ ابنُ آدمَ، قال الملكُ للشيطانِ: أعطني صحيفتَك، فيعطيه إيَّاها، فما وجد في صحيفته من حسنةٍ، محى بها عشرَ سيئات من صحيفةِ الشيطانِ، وكتبهنَّ حسنات.
فإذا أراد أن ينامَ أحدُكم، فليكبر ثلاثًا وثلاثين تكْبيرة، ويحمدُ اللَّهَ أربعًا وثلاثينَ تحميدةً، ويسبح اللَّهُ ثلاثًا وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة".
وهذا غريب ومنكر.
وروى وكيع: حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ.
قالَ: قالَ عبدُ اللَّهِ، يعني ابنَ مسعودٍ: وددتُ أني صُولحت على أن أعملَ كُلَّ
يومٍ تسعَ خطيئاتٍ وحسنةً.
وهذا إشارةٌ منه إلى أن الحسنة يُمحى بها التسعُ خطيئاتِ، ويفضُلُ له
ضعفٌ واحدٌ من ثوابِ الحسنة، فيكتفي به، واللَّهُ أعلم.
* * *